تتمة التقرير
. النظام السياسي، المؤسسات والحكامة
تحرير الإمكان البشري
1.2. التوازن بين الاستقرار السياسي ودينامية المعارضة
منذ استقلاله، انطلق المغرب، في السير المطرد نحو تحقيق نموه المؤسساتي والسياسي، هادفا بذلك إلى بناء دولة عصرية. وإن تنصيص القانون الأساسي الأول على مبادئ الملكية الدستورية، والتعددية الح**ية، التي تسمح لمختلف مكونات المجتمع المغربي بالتمثيلية داخل البرلمان، كانت حاضرة قبل الاستقلال، في خطاب الحركة الوطنية، كما في مواقف جلالة الملك محمد الخامس. وإذا كان هذا النهج قد تم بنوع من الانسجام، على العموم، فإن الطريق ظل صعبا، حيث تخللته لحظات تراوحت بين تحقيق بعض التقدم أحيانا، وبروز بعض التوترات والعوائق، أحيانا أخرى. بيد أنه مع استبعاد خيار الح** الوحيد، منذ البداية، والالتزام باحترام حق تنظيم معارضة مشروعة، تتمتع بحرية التعبير عن آرائها ومواقفها، وفسح المجال أمام صحافة تعددية، بالرغم من وجود زجر وردع وازنين، في بعض الحالات، في الفترة الماضية، فإن بلادنا تمكنت من ضمان السلم المدني وعدم الوقوع في انحرافات كليانينة، متجنبة بذلك ما انجرت إليه بلدان مماثلة، حديثة العهد بالاستقلال. وهكذا، فتح المغرب إمكانية تبلور ثقافة سياسية تعددية، أتاحت له، فيما بعد، الدخول في مسار حقيقي، وإن كان بطيئا، للانتقال الديمقراطي.
ولقد تطلب الحفاظ على التوازن بين استقرار المؤسسات ودينامية المعارضة، وبين ضمان الأمن والحرية والمشاركة في الحكم واستمرارية الاختيارات الأساسية للدولة مجهودات جبارة : مشاورات وطنية على نطاق واسع، إعداد ومراجعة الدستور، إقرار وتحيين القوانين والأنظمة، إعادة هيكلة المؤسسات، إعادة تنظيم أجهزة الدولة، وإدماج النخب السياسية والإدارية. كما توالت فترات شهدت، أحيانا، مشاركة واسعة للأحزاب في الحكومة وعرفت، أحيانا أخرى، حالات تشنج، لم تصل إلى حد انقطاع الحوار بين الفرقاء السياسيين.
ولقد فسح بناء نظام سياسي جديد، غداة الاستقلال المجال أمام صراع على السلطة، اتخذ أشكالا عنيفة، في بعض الفترات. وكان ثمنه باهضا، بالنسبة للتنمية البشرية بالبلاد، نظرا لما تطلبه من كلفة إضافية للحفاظ على الأمن وإدارة المراقبة الاجتماعية، ونظرا للتأجيل المتكرر لأولويات البلاد، على حساب المشاكل الاجتماعية لأغلبية الساكنة، وفي اتجاه لم يكن ليخدم مصالح وصورة بلادنا وجاذبيتها.
2.2. انفتاح الحقل السياسي
مع تعاقب السنوات، وبفعل الانفتاح الذي تشجعه الثقة في رسوخ مقومات الدولة الفتية، التي كانت ما تزال قيد التكون، حقق المناخ السياسي، شيء فشيئا، صفاءه وهدوءه. ولقد حدث هذا التطور بفضل الانخراط الوطني لكل القوى الحية في القضايا الوطنية والترابية للبلاد، وبسبب المرونة والليونة التي اكتستها بعض المواقف الح**ية، التي كانت متسمة بالتشدد، فيما يتعلق بالإصلاحات الدستورية ونماذج التنمية المتبناة، وكثمرة، كذلك، للتوافق الواسع الذي حصل حول المؤسسات والاختيارات الأساسية للبلاد. هذا التوافق يبقى مفتوحا على كل التعديلات الدستورية التي يمكن أن تمليها متطلبات توطيد المكتسبات الديمقراطية، وبناء الدولة العصرية وكذا الدفاع عن الوحدة الترابية. وتبين الدروس المستخلصة من خمسين سنة المنصرمة أن الجهود على هذا المستوى لم تعرف أبدا طريقها إلى التحقيق، ضمن التوترات المشحونة التي تمكنت الملكية في كل مرة أن تتخذ منها مبادرات ملائمة وفعالة في ميدان الإصلاحات الدستورية.
وانطلاقا من ذلك، شهدت بلادنا طيلة التسعينات تسريع انفتاح الحقل السياسي بدعم قوي من الملك الحسن الثاني وانخراط الأحزاب السياسية الرئيسية : يشهد على ذلك، بصفة خاصة، المراجعات الدستورية في 1992 و1996، إحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سنة 1990، وصدور العفو الملكي العام الذي كان مسبوقا بقرارات متعددة للعفو الجزئي، وتحسن شفافية الاستشارات الانتخابية، ومشاركة المعارضة السابقة، ولاسيما منها الممثلة لليسار، في الحكومة سنة 1998، وإحداث لجنة مستقلة، لتعويض ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
ومنذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس عرش المملكة، تم إعطاء دفعة جديدة لتحرير الإمكان البشري للبلاد : فقد تمت بلورة مشروع ديمقراطي حداثي مع الالتزام الحازم به، ومباشرة مفهوم جديد للسلطة. كما تم إدخال تغييرات مهمة على مستوى المسؤوليات السياسية والإدارية المركزية والترابية، إقرار مدونة جديدة للأسرة وتأهيل البنيات التشريعية، فتح أوراش كبرى للتنمية،إحداث مؤسسة محمد الخامس للتضامن، المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري وديوان المظالم. وخلال السنة الحالية، التي تصادف الذكرى الخمسينية للاستقلال، دعت هيئة الإنصاف والمصالحة والتوصيات الصادرة عنها إلى الطي النهائي لملف انتهاكات حقوق الإنسان وتحقيق مصالحة المغاربة مع تاريخهم المعاصر، وإقامة حياة ديمقراطية فعالة.
3.2. نمط للحكامة ما يزال يبحث عن ذاته
إن تحليل تجربة الخمسين سنة الأخيرة، يثير بقوة، مسألة جوهرية أخرى، تتعلق بإشكالية الحكامة سواء على صعيد المركز أو المجالات الترابية، أو القطاعات العمومية أو الخاصة.
فبالنسبة للامركزية الترابية، يمكن القول بأن المغرب شرع في نهجها بشكل مبكر، حيث نظم سنة 1960 الانتخابات الجماعية العامة، التي كانت الأولى من نوعها في تاريخه. وجاء الميثاق الجماعي، الذي تم اعتماده سنة 1976، ليوسع اختصاصات المجالس الجماعية. كما اعتُمد ميثاق جماعي آخر سنة 2002، وأُجريت الاستشارات الانتخابية الجماعية بانتظام، كما أجريت افتحاصات للتسيير الجماعي، وإن كانت انتقائية وعرضية.
غير أنه، يتعين ملاحظة أن هذه التجربة الطويلة، وهذه المحاولات الرامية إلى تفعيل الحكامة الترابية، لم تحقق النتائج المتوخاة منها. إذ أن الانزلاقات الحاصلة في العمليات الانتخابية، والطابع العرضي وغير المستقر للتحالفات الح**ية المحلية، والتكوين المتفاوت للمنتخبين، وسوء التدبير، والتقطيع الترابي غير الملائم ؛ كلها عوامل، من بين أخرى، أضرت بالتنمية البشرية، في العديد من الجماعات القروية والحضرية.
تنضاف إلى هذه المشاكل، استمرار ثقافة مقاومة التغيير المتسمة بطابعها المتمركز، وبعدم إبدائها سوى لاستعداد محدود للثقة وتفويض الاختصاصات. وهكذا، يبقى اللاتمركز الإداري، بوصفه اللازمة الضرورية للامركزية، بعيدا عن مصاحبة هذه الأخيرة وتقويتها ودعمها بكيفية يقظة ووازنة.
ومن ثم، يسود الانطباع بأننا ندور في حلقة مفرغة، بالنظر إلى أن الشوائب التي تعترض اللامركزية والتسيير الجماعي، تبدو وكأنها تقدم نوعا من المشروعية للمقاومة، ذات النزوع نحو التمركز، وذلك في الوقت الذي تعرقل فيه النواقص التي يعاني منها اللاتمركز إمكانية اعتماد حكامة ترابية ناجعة ومنسجمة.
وفي نفس الاتجاه، تطرح بحدة، مسألة التنمية الجهوية في إطار أقطاب كبرى طبيعية وبشرية، لكل واحد منها إمكاناته المتميزة، والتي تبقى متضامنة فيما بينها. وهذه المسألة ما تزال مطروحة، بالرغم من المبادرات المتعددة الهادفة إلى تحقيق جهوية فعلية.
وعلاوة على العوامل السالفة، يجدر التذكير بأن إرساء اللامركزية الترابية في الستينات كان يستجيب لرغبة في التأطير السياسي، أكثر مما هو ملاءمة للتدبير العمومي مع مستلزمات التنمية المحلية. وبالفعل، ففي سنة 1960 كان الهدف الأول هو إعادة تكوين النخب المحلية، مما أعطى لهذه الضرورة، بدون شك، الأولوية، بالنسبة لأي اهتمام آخر، ذي طابع إداري أو تقني. وبذلك، فاللامركزية، كما تم فهمها وممارستها، لم تعمل على تيسير شروط إقرار لاتمركز حقيقي.
ومن ناحية أخرى، فمن المحتمل أن تكون الوصاية وشروط ممارستها، قد أسهمت في إضعاف إمكانية إرساء لامركزية حقيقية ومتحررة. وبالفعل، وفي كثير من الحالات، شكلت "الوصاية الإحلالية" عامل كبح، في الوقت الذي كان بإمكانها أن تتطور، بصورة مواكبة لتحولات المحيط الاجتماعي والاقتصادي والثقافي وطرق التدبير، لتتخذ شكل "وصاية توجيهية".
أما على مستوى الإدارة المركزية والأجهزة الوطنية اللامتمركزة فإن الحكامة ما تزال تشكو من نقائص كبيرة، بالرغم من بعض التطورات الظرفية والمحدودة. وبطبيعة الحال، هناك مشاكل عويصة تتعلق بتبذير المال العمومي والارتشاء والمحسوبية وال**ونية، التي ما تزال متفشية، بالرغم من التدابير والنوايا الحسنة. ومن بينها : الإعلان عن ميثاق حسن التدبير، وتحسين شفافية إبرام الصفقات العمومية، واعتماد قواعد عادلة ومحفزة في تدبير الموارد البشرية، وإحداث مجالس جهوية للحسابات، واللجوء المتكرر إلى الافتحاصات الداخلية والخارجية.
ومع ذلك وبالإضافة إلى الانحرافات والممارسات غير القانونية، يمكن تسجيل أشكال أخرى من العجز من قبيل تفضيل هيمنة النظرة القطاعية الضيقة ؛ والكفاءة غير المتساوية ؛ وعدم استقرار موظفي الوزارات والمسؤولين الإداريين ؛ عدم الاعتبار الممنهج للاستحقاق ؛ التواجد المفارق لوزارات متضخمة إلى جانب أخرى محدودية الصلاحية، غياب "البين-وزارية" ؛ الفواصل البيروقراطية، تقلب الهيكلات الإدارية تنازع اختصاصاتها. والملاحظ أن بعض هذه النقائص لا يقتصر وجودها على الإدارة، إذ تنسحب كذلك على العديد من المقاولات، بل وحتى على التنظيمات السياسية والمدنية. هذا فضلا عن انتشار ظواهر من قبيل : التعالي المفرط
لأشخاص ذاتيين على الهياكل والمجموعات، والانفعالية في التسيير، وضعف الاستشارة والحوار، وإعمال مبدإ التفاوض لفضّ التوترات والنـزاعات.
3. تثمين الإمكان البشري
ورثت السلطات المغربية عن الحماية وضعية تتسم بتهميش الإمكان البشري، ومحدودية توظيفه وضعف نموه، مما جعل تلك السلطات تباشر، غداة الاستقلال، وباستعجال، مسارا طويلا لتثمين هذا الإمكان. ولقد تنوعت التسميات التي أطلقت على هذه العملية، فمن تنمية الموارد البشرية إلى السياسات الاجتماعية أو التنمية الاجتماعية. وتمثلت الغاية من هذا المسار في الارتقاء بقدرات المغاربة، والرفع من إسهامهم في ازدهار البلاد، وتحسين مستوى عيشهم.
1.3. ولوج الخدمات والتجهيزات الأساسية
يشكل ولوج الخدمات والتجهيزات الأساسية أول مؤشر على تنمية القدرات البشرية، وعلى اتساع حجم الأشكال الأولية للإقصاء. ومن هذه الناحية، فإن حصيلة خمسين سنة الأخيرة، تعد بعيدة عن أن ترقى إلى المستوى الأمثل.
وإذا كانت هناك مجهودات مهمة قد بذلت في مجالات الكهربة، والتزويد بالماء الشروب، وفك العزلة عن بعض المناطق، ذات الخصاص، على سبيل المثال؛ فإن هذه الخدمات لم يتم تعميمها دائما. كما أن الإنجازات المحققة، في هذه المجالات تنير مشكلة التوزيع المنصف، بحيث إن الفوارق الاجتماعية والمجالية تبدو ظاهرة للعيان. ولم يتم الشروع في تنفيذ برامج موجهة ومحددة الأهداف، إلا في السنين العشر الأخيرة، بغية معالجة هذه الفوارق، خاصة في الوسط القروي وضواحي المدن. وقد أسفرت عن نتائج محمودة.
ويمكن تفسير النقائص المتراكمة بعوامل متعددة :
*يتمثل العامل الأول، في الأفضلية التي تم منحها، ولفترة طويلة، للمشاريع الكبرى، التي كان ينتظر منها أن تحقق تنمية قابلة للتعميم. وقد أسهمت مثل هذه المشاريع، على غرار السدود الكبرى، بشكل جلي، في ضمان الأمن المائي للبلاد، خلال الحقب المتكررة للجفاف. وهكذا تطورت الفلاحة المسقية، وأمكن ضمان التزويد المنتظم للمدن بالماء الشروب. غير أنه لم يكن بإمكان المناطق النائية والساكنة المعوزة الاستفادة، بشكل تلقائي، من انعكاسات السدود والطرق والشبكة الكهربائية الخ....
*أما العامل الثاني للعجز، فيكمن في نهج نوع من المساواتية، من خلال البحث عن توفير نفس الخدمة للجميع، مجانا أو بتسعيرة موحدة للجميع. وبذلك، تأخر اعتماد فكرة إشراك المستعملين في تمويل الخدمات الأساسية بفاتورة تفضيلية ومتدرجة.
*ويتجلى العامل الثالث، في وجود نوع من الخلط بين المرفق العمومي والخدمة التي ينبغي أن تقدمها الدولة مباشرة، كما تأخر العمل بفكرة إشراك السكان أنفسهم، والمتدخلين الخواص والمنظمات غير الحكومية، في خلق وتدبير وصيانة الخدمات الأساسية. وفي هذا الصدد، تكشف التجارب الحديثة للشراكة، بين الدولة والجماعات والسكان وجمعيات التنمية المحلية أو المستفيدين من الخدمات، عن عدد من الاختلالات التي كان بالإمكان تفاديها ؛ ذلك أن المعيرة الممنهجة، المبررة بها جس المساواة، غالبا ما أخرت ولوج تلك الخدمات.
2.3. التربية :
لم يلج المدرسة في عهد الحماية سوى عدد قليل من المغاربة، كما لم يلتحق بالتعليم الثانوي والعالي سوى أقلية محدودة. وبذلك، يعتبر الإقبال الكبير للمغاربة على المدرسة، غداة الاستقلال أمرا طبيعيا ومشروعا. ومن أجل الاستجابة لهذا الطموح، بذلت الدولة مجهودا كبيرا في ميدان التعليم.
وهكذا، فإلى غاية نهاية السبعينيات تمكنت المنظومة التربوية من الاضطلاع بمهامها إلى حد كبير، حيث نجحت، بالرغم من العجز المهول، المسجل في البداية، ومن النمو الديموغرافي المطرد، في الرفع من فرص تمدرس الأطفال المغاربة وتزويد الإدارة والاقتصاد الوطنيين بالأطر المغربية الضرورية، لتعويض الخلف وتحقيق التنمية. هذا علاوة على أن التعليم فتح قناة حقيقية للحركية الاجتماعية والانفتاح على العالم، وولوج الحداثة، وتقوية الرابط الاجتماعي.
ومع بداية الثمانينيات، بدأت المنظومة التربوية، في التراجع، لتدخل بعد ذلك، في أزمة طويلة ؛ من بين مؤشراتها : الهدر المدرسي، وعودة المنقطعين عن الدراسة إلى الأمية، وضعف قيم المواطنة، ومحدودية الفكر النقدي، وبطالة حاملي الشهادات، وضعف التكوينات الأساسية (القراءة، الكتابة، الحساب، اللغات، التواصل).
وبالرغم من – وأحيانا بسبب - اعتماد سلسلة من الإصلاحات، التي كان بعضها مرتجلا، في بعض الأحيان، وبعضها الآخر غير تام، في كثير من الحالات ؛ فقد تحولت المنظومة التربوية إلى آلة ثقيلة، قليلة المردودية، ومنتجة لخريجين غير مهيئين لمواجهة تغيرات ومستلزمات الاقتصاد والمجتمع العصريين. وهذا ما سيؤدي إلى جعل المدرسة تسير بوتيرات متعددة، مع تراجع أدائها، ولاسيما في المناطق البعيدة عن مراكز المدن الكبرى.
على أنه يتعين تسجيل المجهود الكبير الذي تم القيام به في الثمانينات، في مجالات التكوين المهني وتكوين الأطر. وبصفة عامة، أسهم التعليم العالي بقوة وعلى مدى العقدين الأولين من الاستقلال في بناء الدولة الحديثة، اعتبارا للدور المهم الذي لعبه في تكوين الأطر لفائدة الإدارة، وفي إنتاج مثقفين وعلميين ذوي سمعة عالمية، كما أن منظومة التعليم العالي استطاعت أن توفر مجالات للخبرة والتفوق، منتجة لكفاءات ذات مستوى عال (مهندسون، أطباء، معلومياتيون، مسيرون، قانونيون، أساتذة... إلخ).
غير أن التطور الحالي لهذا القطاع، المرتبط بالسياسات التعليمية المتتالية التي خضع لها، والمزايدات التي كان موضوعا لها ؛ كل ذلك كشف عن الصعوبات التي أعاقته، كي يضطلع بالأدوار الجديدة التي أضحت تفرضها تحولات المجتمع والمحيط الدولي، ولكي يلعب دوره كرافعة لتنمية الرأسمال البشري، ولإنتاج المعرفة والتكنلوجيا.
وتقترن جوانب القصور المراكمة بالتأخر البارز المسجل في مجال محاربة الأمية بحيث تنعكس آثاره سلبيا على مجموع ميادين الحياة الاجتماعية الاقتصادية والسياسية : وضعية غير منصفة تجاه النساء، اختلالات الديمقراطية، الانتشار المحدود لقيام المواطنة والتقدم، معضلة البطالة وضعف تنافسية الاقتصاد...
وفي سنة 1999 تم إقرار مشروع توافقي إرادي وطموح لتجديد منظومة التربية والتكوين، حظي بدعم قوي من قبل أعلى سلطة في الدولة وتم تكريسه في ميثاق وطني. ومنذ ذلك الحين، أعلنت التربية أسبقية وطنية أولى، بعد الوحدة الترابية. وإلى غاية اليوم، بذلت مجهودات مهمة، غير أن النتائج المحرزة تظل غير كافية، بالنظر إلى الأهداف المرسومة. وإذا كان بالإمكان ملاحظة حصول تقدمات كمية ملموسة في تعميم التمدرس وفي إطلاق أوراش جديدة في المجالات البيداغوجية واللاتمركز وأساليب التدبير، فإن الكثير ما يزال يتعين القيام به، حيث إن المشاكل المرتبطة بالهدر المدرسي، والجودة ومضامين المناهج والبرامج، وبتكوين المدرسين، وبالقيم التي تروج لها المدرسة، ما تزال مطروحة.
3.3. الصحة، الحماية الاجتماعية ومحاربة الفقر
منذ الاستقلال، حقق مستوى الصحة لدى المغاربة، تقدما ملحوظا، تمكنت بلادنا، بفضله، من القضاء على العديد من الأمراض والأوبئة، التي كانت تفتك بالبلاد. وهكذا، فقد ارتفع معدل الحياة ليتجاوز حاليا 70 سنة، وإن كان هذا المعدل أقل من معدلات الحياة المحققة في الدول المتقدمة. وبعض مؤشرات صحة الطفل والأم ما تزال مبعث قلق ومصدر تأثير سلبي، على مستوى التنمية البشرية للبلاد. ويعرف المغرب حاليا انتقالا "إيديمولوجيا"، يتسم بتعايش أنواع قديمة من المرض وأخرى جديدة.
وهكذا، فإن البلاد لم تصل بعد إلى التعامل الأمثل مع "أمراض البلدان الفقيرة"، لتجد نفسها في مواجهة صعود مطرد لـ"أمراض الدول الغنية"، التي تعد أكثر صعوبة وتكلفة. إضافة إلى ذلك، يظل ولوج الخدمات الطبية غير كاف ولا متكافئ. كما أن حالة الوحدات التطبيبية والمستشفيات ظلت تتأرجح بين الاستقرار والتراجع، رغم الإنجازات الرائدة، لكن المعزولة، التي حققها بعض الأطباء والباحثين المغاربة.
صحيح أن إحدى الإكراهات المرتبطة بذلك، ترجع إلى محدودية الوسائل المالية. غير أنه صار من الضروري بلورة إستراتيجية جديدة، لإعادة تنظيم قطاع الصحة العمومية وتمويله وتدبيره، بغية إيقاف النزيف الذي يعاني منه، والارتقاء به إلى مستوى يستجيب لمتطلبات التنمية البشرية للسكان. وتتمثل إحدى مقومات هذه الاستراجية في التأمين الإجباري عن المرض، الذي تم الشروع في تطبيقه مؤخرا، بشكل تدريجي.
وفيما يتعلق بالحماية الاجتماعية، عموما، فقد تم القيام بالعديد من الإصلاحات، منذ الاستقلال، في اتجاه توسيع دائرة التغطية الاجتماعية، لتشمل الأشخاص المعوزين أو في وضعية صعبة، وكذا تنويع توزيع الخدمات التي تقدمها مختلف المؤسسات والأنظمة الجماعية للتضامن المؤسساتي.
ومع ذلك، فإن مستوى الحماية الاجتماعية يظل، اليوم، غير كاف، ويطرح مشاكل عويصة، ذات أثر سلبي على استمرارية أنظمتها، لذلك، فقد صار من الضروري بلورة مشروع يهدف إلى إرساء نظام جديد للحماية الاجتماعية، يقوم على تحصين المكتسبات في هذا المجال، ويعمل على تجديد هذا النظام وتوسيع الاستفادة من خدماته. وتزداد هذه الضرورة إلحاحا، بالنظر إلى الصعوبات التي تعترض بلادنا، على مستوى التحكم في البطالة، ولتراجح أشكال التضامن التقليدية والأسرية، وتوقع الارتفاع النسبي لمعدل الشيخوخة، على المدى البعيد، مما سيؤدي إلى تزايد عدد الأفراد الذين يعود للمجتمع التكفل بهم.
وإذا كان من المؤكد حصول تقدم على مستوى أعداد وجودة الموارد البشرية العاملة بالإدارة الصحية، في ارتباط مع إحداث وظائف جديدة، ضمن منظومة الصحة ؛ فإن هوة كبيرة كانت وما تزال قائمة بين مشاريع الإصلاح وبين تطبيقها. كما أن عدة أسئلة لها علاقة مباشرة بالحكامة، تظل مطروحة، وإن كانت قد عرفت تشخيصات ضافية.
تتعلق هذه الأسئلة، أساسا، بغياب إطار استراتيجي للعمل ومنظور شمولي لمنظومة الصحة، وبتضارب مصالح العاملين والمتدخلين في هاته المنظومة، ووجود عدة حالات ريعية، تحولت، بالتدريج إلى قوى حقيقية للجمود. هذا بالإضافة إلى هيمنة التمركز المفرط لإدارة الصحة، وضعف تطور المرافق الجهوية، وأزمة المستشفى العمومي. وبفعل المنافسة التي يوجهها من قبل المؤسسات الخاصة، التي تجلب إليها غالبية الساكنة الميسورة، فإن المستشفى العمومي ما يزال يبحث لنفسه عن تموقع جديد، كفيل بأن ينمي قدراته وموارده، وأن يشكل مرفقا عموميا ذي جودة.
وفي الإطار نفسه، يلاحظ أن الرفع من مستوى التنمية البشرية ببلادنا يبقى رهينا بالقضاء على آفة الفقر المستشرية. صحيح أن نسبة الفقر، التي كانت تتجاوز 50 % سنة 1960، قد تراجعت، بشكل ملحوظ، لتنحصر حاليا في 14,2 %. إلا أنه، بالنظر للنمو الديموغرافي فإن العدد المطلق للفقراء استقر في خمسة ملايين، في المعدل المتوسط، من بينهم ثلاثة أرباع من الفقراء يتواجدون بالعالم القروي.
وعلى الرغم من وجود بعض أشكال الإحسان العمومي والمساعدات التي تقدمها الدولة، من قبيل : دعم المواد الغذائية الأساسية ؛ فإن المكافحة الممنهجة للفقر، تعتبر حديثة العهد، في السياسات العمومية، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه السياسات تظل غير كافية وغير مراعية لمبدأ تعزيز قدرات الأفراد، لكي يضطلعوا بمسؤولياتهم الذاتية، بشكل مستديم. غير أن هنالك استثناء ينبغي الإشارة إليه، في هذا الصدد، وهو النجاح الملفت للنظر الذي حققه قطاع السلفات الصغرى، بوصفه إنجازا مهما اضطلعت به منظمات غير حكومية، عرفت كيف تستدمج هذا المفهوم وتنجح في تجسيده العملي.
4. تعبئة الإمكان البشري
النمو والسياسات الاقتصادية والتشغيل
1.4. تشييد اقتصاد وطني
انطلاقا من وضعية اقتصادية صعبة، عمل المغرب المستقل على بناء اقتصاد وطني عصري، وإرساء مقوماته الأساسية. ولقد تمثل ذلك، بصفة خاصة، في إصدار عملة وطنية، وإحداث مؤسسات للضبط، واعتماد آليات ناجعة للسياسات الجبائية والمالية والنقدية، والتحكم في التضخم، وتطوير نظام مالي وطني، وكذا بناء نسيج مهم من المقاولات الصغرى والمتوسطة، ونواة صلبة للمجموعات الخاصة، كقاطرة بالنسبة لبعض القطاعات الاقتصادية.
ولقد اتسمت المرحلة الممتدة من بداية الاستقلال إلى سنة 1982 ببروز نموذج اقتصادي مغربي، ذي اتجاه ليبرالي مطبوع، في الوقت نفسه، بالاقتصاد المختلط والنزعتين الحمائية والتدخلية الاقتصادية والاجتماعية للدولة. ومع سنة 1983، وبموازاة مع الشروع في تطبيق برنامج التقويم الهيكلي، انطلقت العشرية التي غلب عليها السعي إلى تحقيق استقرار ماكرو-اقتصادي وتطهير المالية العمومية، وكذا التخلي التدريجي للدولة عن التدخل في الاقتصاد، لفائدة القوى الصاعدة للسوق.
وانطلاقا من سنة 1993، تم تسريع وتيرة تحرير الاقتصاد وانفتاحه على برامج خوصصة طموحة، مع توقيع العديد من اتفاقيات التبادل الحر. وبذلك، توافرت الشروط الملائمة لقيام سوق عصري، مع ربط الاقتصاد الوطني بالنموذج الليبرالي، المنفتح على شبكة المبادلات الدولية.
وإجمالا، فقد مكن هذا المسار من تحقيق تقدم ملحوظ ومكتسبات مهمة، يمكن تبينها من خلال تحسن مستوى العيش، بشكل عام، بما في ذلك ارتفاع مستوى الدخل والقدرة الشرائية والطاقة الاستهلاكية وسبل الادخار.
2.4. إنجازات في منتصف الطريق
مع ذلك، فقد ظل الاقتصاد المغربي بعيدا عن بلوغ هدف توظيف جميع إمكاناته، خلال الخمسين سنة الفارطة، حيث اتسم النمو الاقتصادي بالفتور، منذ سنة 1955، وبضعف تطور الدخل الفردي. وهو ما يعزى، بالدرجة الأولى، إلى ارتكاز الاقتصاد المغربي، بالأساس، على القطاع الفلاحي، الذي يبقى بدوره رهينا بالتقلبات المناخية. أما بخصوص القطاعات الاقتصادية الأخرى فلم تستطع تحقيق مستوى كاف من النمو.
وأخيرا، لم يفض النظام الحالي لتوزيع ثمار النمو إلى تبلور طبقة متوسطة فاعلة، وقادرة على التأثير في الإصلاحات وفي تيسير إدخال التكنولوجيا وقيم التقدم. ومن ثم، فقد كان تراكم مواطن العجز الاجتماعي الطابع المميز لهذا التطور.
ويمكن تحديد مجموعة من العوامل المفسرة لهذا الأداء الاقتصادي الضعيف، ومنها، على الخصوص : عدم استقرار الوضعية الماكرو-اقتصادية، لمدة طويلة، مما لم يسمح بتحقيق رؤية واضحة في هذا المضمار. ومن ناحية أخرى، ما يزال القطاع الفلاحي يعاني من قصور كبير، ليس فقط بسبب قلة الماء، ولكن أيضا بالنظر إلى المعيقات المرتبطة بتقادم الوسائل التكنلوجية المستعملة وبالنظام العقاري، وبنوعية الأنشطة الزراعية، وصغر حجم المزارع والضيعات، والأساليب الزراعية العتيقة.
أما القطاع الخاص، فما يزال يعاني من عدة مشاكل، من أهمها، ظاهرة التمركز، وصعوبة الحصول على القروض، وارتفاع نسب الفائدة، والتعقيدات المتعلقة بالنظام العقاري، وبطئ واعتباطية المساطر الإدارية والقضائية، وكذا استمرار وجود عقلية اقتصاد الريع وحدة النواقص التدبيرية والتقنية والتنظيمية.
وتجدر الإشارة إلى أن تدخل الدولة في الاقتصاد ظل مفرطا، معيقة بذلك تطور حرية السوق والمنافسة. ومن بين النتائج المترتبة عن ذلك، عدم احترام معايير الجودة في المنتوجات والخدمات المقدمة، ممّـا يجعلها غير مؤهّـلة لخوض المنافسة في الأسواق الدولية، وضعف التنافسية الخارجية، وهشاشة الاقتصاد، تجاه الظرفية الدولية.
وهكذا، ظلت تنافسية الاقتصاد دون المستوى المطلوب، بفعل ضعف الإنتاجية وانخفاض النسبة المؤهلة من اليد العاملة، كما أن غياب إستراتيجية تسويق موجهة وهادفة، لم تزد إلا تكريساً لهشاشة الاقتصاد المغربي، في مواجهة الاقتصاديات الدولية. ينضاف إلى ذلك، الأثر السلبي لعدم ملاءمة المنظومة التربوية للمتطلبات الاقتصادية، ومحدودية السوق الداخلية، خاصة، بفعل انتشار ظاهرة التهريب، وضعف الاستهلاك الداخلي، مع تفشي ظاهرة الاقتصاد غير منظم، الذي تعتمد عليه فئات واسعة من ساكنة المدن.
3.4. إرادة لتسريع النمو لكنها تأخرت في تحقيق ثمارها
تم، في السنوات الأخيرة، إطلاق مجموعة من الأوراش والإصلاحات التشريعية والتنظيمية والمالية والإدارية والتربوية. وفي هذا السياق، يجدر التأكيد على ضرورة تنسيق جميع هذه العمليات على المستوى الميداني، وتفعيلها بسرعة مع إيلائها كامل العناية. هذا فضلا عن أهمية، التصدي للمشاكل التي ما تزال عالقة، باعتماد استراتيجيات ناجعة. وبهذه الطريقة الفعالة سيتأتى جلب المزيد من الاستثمارات الخارجية وإحداث عدد أكبر من المقاولات، وانبثاق أنشطة ذات قيمة مضافة عالية، من داخل القطاع غير المنظم. ومن شأن ذلك كله، أن يؤهل المغرب لمواجهة التحديات الناتجة عن انفتاحه الاقتصادي، مع الاستفادة من مزاياها.
وإنه لرهان كبير، في خضم هذه الإصلاحات، أن يتمكن المغرب، ليس فقط من التحكم في البطالة المتفشية، ولكن من التوظيف الأمثل لنافذته الديموغرافية، بتوفير فرص شغل منتجة لتلك الأعداد المتزايدة من الأفراد، الوافدة على سوق العمل. وفي النهاية، فإذا كانت إرادة المغرب ثابتة في تخطي جميع مظاهر العجز الحاصل في ميدان التنمية البشرية، فلا مناص له من تحقيق وتيرة نمو اقتصادي أسرع وأكثر استقرارا.
5. إطار العيش وتنمية الإمكان الطبيعي
1.5. المـــاء
*منذ حصوله على الاستقلال، نهج المغرب سياسة قوية ودينامية في مجال الماء بهدف التغلب على الهشاشة المترتبة عن التقلبات المناخية، وذلك من خلال التحكم في المياه وتخزينها، إبان السنوات المطيرة، لمواجهة الحاجة الناجمة عن سنوات الجفاف. وهكذا فقد تمثلت الأهداف في الاستجابة للطلب المتزايد على الماء الشروب، من طرف السكان، وتزويد الفلاحة بما هي في حاجة إليه قصد توفير الحاجات الغذائية، وتشجيع فلاحة التصدير. وقد تمثل التحدي آنذاك، الذي تم رفعه عمليا سنة 1998، في السعي إلى سقي المليون هكتار مع نهاية القرن الماضي.
*إن سياسة السدود، التي أعطى انطلاقتها الملك الحسن الثاني، مكنت المغرب من ضمان أمنه المائي والغذائي وتحسين مداخيل الفلاحين بالمناطق السقوية وتكثيف وتنويع الإنتاج الفلاحي وتنمية الصادرات الفلاحية.
*وفضلا عن هذا الجانب المتعلق بتعبئة الموارد المائية، الذي يعد إحدى النجاحات الحقيقية للمملكة، فان مآل المياه العادمة وتلوث المياه شهدا، خلال هذه الفترة، اهتماما ونجاحا أقل. ومن بين الانعكاسات السلبية يلاحظ التدهور الذي عرفته جودة المياه في الأنهار والسدود والفرشات الباطنية، التي زادت حدتهم خلال العقدين الأخيرين، مما حد من حجم الموارد المائية المقابلة للتعبئة.
*وهناك جانب آخر عرقل بدوره، ولو جزئيا، السياسة الوطنية للماء : يتعلق الأمر بالفصل التام مابين المقاربة التي اتبعت في التهيئة المائية والهيدرو فلاحية في عالية الأحواض المائية وتلك التي اتبعت في سافلتها.
*ومنذ تصوراتها الأولية، ركزت السياسة المائية المتبعة في المغرب، ولمدة طويلة على تعبئة الموارد. ولقد تطلب الأمر انتظار سنة 1995. من أجل إصدار قانون الماء. وهو القانون الذي يتضمن مجموعة من المبادئ الأساسية، من بينها ضمان وحدة مصادر المياه وتدبيرها بكيفية مندمجة وغير ممركزة، بحسب كل حوض مائي، مع الحرص على جعل التدبير تشاركيا مع المستعملين، والتحكم في الاستهلاك واقتصاد هذا المورد. ومنذ ذلك الحين، أصبح تدبير الطلب مبدأ موجها للسياسة العمومية للماء، فقد بذلت جهود لتقليص الطلب، أتت أكلها نسبيا على مستوى الماء الشروب. وقد كان من الممكن بلوغ هذه النتائج، بفضل إدخال نظام التسعيرة، بحسب مستوى الاستهلاك، إلى جانب الجهود التي بذلت في مجال السقي، باعتباره يشكل القطاع الأكثر استهلاكا للمياه، إلا أن هذه النتائج تبقى مع ذلك دون المستوى المطلوب.
2.5. الطاقة :
يعتبر عبء فاتورة الطاقة مكلفا جدا بالنسبة للمغرب، بالرغم من أن متوسط الاستهلاك لكل فرد، في هذا المجال، ما يزال ضعيفا، مقارنة ببلدان أخرى مشابهة. وكما هو الشأن بالنسبة للماء، فإن المغرب يبغى متأثرا بالتداعيات الكبرى للسوق الدولية للطاقة، ومتحملا لأعباء مكلفة في هذا المجال. ولذلك، فإن تطوير الطاقات المتجدّدة، وكذا التركيز على الغاز والاقتصاد الممنهج للطاقة، والاستعمال المبكر للتقنيات والآلات، التي لا تستهلك كميات كبيرة من البترول، مع التحسيس المكثف للساكنة من أجل الاقتصاد في استعمال الطاقة ؛ كل هذه التدابير تظل وحدها الكفيلة بالتخفيف من حدة هذا المشكل، هذا مع الاحتفاظ بإمكانية نهج خيار توظيف الطاقة النووية، على المدى البعيد، في إطار إمكانية الأجوبة الممكنة.
3.5. الأراضي والغابات وموارد أخرى :
تعرّضت المساحات المزروعة والقابلة للزراعة، وجميع المناطق الخضراء، ولاسيما منها الغابات لزحف طبيعي خطير، من قبيل انجراف التربة والتصحّر والحرائق. كما عانت هذه الموارد من أشكال الاستغلال المفرط للمراعي، والاقتلاع غير المعقلن للغابات، والتوسع العمراني، بالإضافة إلى المضاربة.
وهكذا، يضطرّ سكّان البادية - الذين يفتقرون، في معظم الأحيان، إلى البنيات التحتية الأساسية، ويعانون من مستوى عيش متدنّي، ويقطنون بمناطق هشة - إلى استغلال الموارد الطبيعية، في حياتهم اليومية. تنضاف إلى ذلك الظروف المناخية جد المتقلبة، التي يمكن أن تؤدّي إلى حدوث اختلال في توازن الأنظمة الطبيعية، وإلى اضطرابات بيئية، قد تلحق بالطبيعة أضرارا عميقة، لا يمكن إصلاحها.
وفي العديد من المناطق، يلاحظ أنّ استنزاف الموارد الطبيعية، الذي تجاوز حدود قابليتها للتجدد، لم يكن ليحلّ مشكلة الفقر، وإنّما زادَ من استفحالها، إما باستنفاذ هذه الموارد أو باستهلاكها المفرط. وفي ارتباط بذلك، كثيرا ما يحصل تضارب بين المصالح المباشرة للأفراد (المستعملين) وبين مصالح الجماعة، ممّـا يؤدي إلى حدوث تعارض بين الطّرفين، يفضي بدوره إلى نزاع من نوع آخر، بين المستعملين والإدارة كطرف، يعهد إليه مهمة المراقبة والحماية وزجر المخالفات المتعلقة بهذا الشأن. وعندما يكون الاستهلاك المفرط للموارد الطبيعية هو وسيلة العيش الوحيدة، في غياب مصادر رزق أخرى، فإن هذا النوع من التدبير، في إطار التعارض يصبح غير فاعل، بالنسبة لحالة الموارد، وغير مجد ولا قابل للتطبيق في وجه المستعملين، في جانبه الزجري.
وبصفة عامة، يمكن القول بأن الاستغلال المفرط للموارد المائية والسمكية، والضرر الذي يلحق بجودتها، والمبالغة في أساليب الرعي، وحرث الأراضي الهامشية، وتوسيع المدار الحضري، على حساب الأراضي ذات المردودية الفلاحية كلها تعبيرات لسوء تحكيم يرجح الاعتبارات قصيرة الأمد ؛ تحكيم يبدو وكأنه تحقق من حدة المشاكل الآنية، لكن هذه المشاكل لا تزيد إلا تعقيدا، على المدى البعيد.
لذلك، فوحدها الرؤى والممارسات المندمجة ذات البعد الترابي، والقائمة على التنسيق بين القطاعات، والتي تأخذ بعين الاعتبار الفرص المتاحة وتتوقع الأخطار، على المدى البعيد، هي الكفيلة بالإسهام في حماية الموارد الطبيعية للبلاد، ولاسيما منها تلك التي لا يمكن تجديدها.
4.5. إطار العيش وتهيئة المجال
شكل تدبير المجال مسألة حساسة بالمغرب، على الدوام. واستنادا إلى التوجهات الموروثة، غداة الاستقلال فقد تحدد تدبير المجال الوطني والمجالات المحلية من خلال هدف مزدوج الاتجاه : يرمي اتجاهه الأول إلى تقوية نسيج التراب الوطني، بوصفه شرطا لتنميته، ولتأكيد وحدته السياسية والاقتصادية والاجتماعية. أما اتجاهه الثاني فيتمثل في التمكن من إدارته ومراقبته السياسية والاجتماعية، بواسطة تقطيعات تسهل، بالأساس، تأطير النخب المحلية والموارد والسكان.
وكما هو الشأن بالنسبة لحماية وتثمين الإمكان الطبيعي الوطني، أو فيما يتعلق بمجهود تجهيز البلاد، فإن حكامة المجال، بمفهومها الراهن، لم تدرج، إلا بشكل متأخر في إطار منطق إعداد التراب ؛ ذلك المنطق الذي يجب أن يظل مستحضرا، على الدوام، لضرورة ضمان التوازنات المجالية، والتنافسية الترابية وتناسق البرامج التنموية، الموجهة نحو المجالات الترابية.
ولقد كان من بين نتائج التأخر الذي حصل في إدماج مثل هذا المنطق، هيمنة تدبير يعاني من محدودية الرؤية الاستشرافية لمستقبل المجال، ويرجح تحكيما قصير المدى، ويفسح المجال لمضاربات وتجاوزات مختلفة. وفضلا عن ذلك، فإن التدبير الحضري، المحكوم، أساسا، بمسألة السكن والمشاكل المترتبة عنها، يقدم دليلا قاطعا عن هاته الوضعية، على صعيد المدن.
وبهذا الصدد، فإن مدينة من الحجم الكبير كالدار البيضاء، وبصفة أشمل، الفضاء الميتروبولي المركزي، تجسد بدقة معادلة تدبير المجال بالمغرب والانعكاسات العميقة للتحكيمات التي يفرضها الاستعجال.
إن إعداد التراب الوطني لا يمكن أن يختزل لا في مقاربة ترميمية للاتوازنات الترابية، ولا أيضا في إجراء تقابل تبسيطي بين المناطق الساحلية والداخلية أو بين المجالات الحضرية والقروية، رغم أنه يبقى من الضروري التأكيد على كون هذه الاختلالات تظل مطروحة بحدة في بلادنا ؛ ذلك أن حوالي 40 % من الثروات الوطنية تتمركز في 1 % من التراب الوطني، بما في ذلك المناطق القروية. كما أن 77 % من التراب الوطني لا تسهم سوى بنسبة 10 % من القيمة المضافة الوطنية. هذا، علاوة على أن التضامن الترابي لم يشكل انشغالا ممنهجا ومنظما، في استراتيجية تنمية التراب. غير أن نهج مقاربة محددة سنة 2000، مع إطلاق حوار وطني واسع حول إعداد التراب الوطني، وباعتماد ميثاق وطني ومخطط وطني لإعداد التراب سيفتح آفاقا جديدة لبلادنا، في هذا الميدان.