كلمة التربية مصدر الفعل (ربّ) ومنه الرب ويطلق في اللغة على المالك والسيد والمربي والمصلح والمنعم، ولا يقال الرب لغير الله إلا بالإضافة مثل: رب البيت، رب الأسرة، وهكذا. ويرى عبد الغني عبود أن التربية لغة ترادف التنمية، ولذا قيل: إن التربية تعني التعليم حتي يستطيع الإنسان أن يعيش حياة أفضل، لأن هذا التعليم يؤدي إلى تنمية الشخصية، أي تنمية قواه الجسدية والعقلية والخلقية. كما يعرف الراغب الأصفهاني (الرب) أنه في الأصل التربية، وهو إنشاء الشيء حالاً فحالاً إلى حد التمام. ويرى الفخر الرازي في تعليقه على سورة العلق أن الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بأنه خلق الإنسان من علق، وبأنه علمه بالقلم، وفي الظاهر لا مناسبة بين الأمرين، وبالتحقيق فإن أول أحوال الإنسان كونه علقة، وهي أخس الأشياء، وآخر أمره صيرورته عالماً بحقائق الأشياء، وهي أشرف مراتب المخلوقات، فكأنه تعالى يقول: انتقلت أيها الإنسان من أخس المراتب إلى أعلى المراتب، فلابد لك من مدبر، مقدر، ينقلك من تلك الحال الخسيسة إلى هذه الحال الشريفة، ثم فيه تنبيه على أن العلم أشرف الصفات الإنسانية، كأنه تعالى يقول: الإيجاد والإحياء والإقدار والرزق كرم ربوبيته، أما الأكرم هو الذي أعطاك العلم، لأن العلم هو النهاية في الشرف. ويشير عبد الحليم محمود إلى المعنى التربوي في نفس السورة فيقول: بدأت السورة بقول القرآن "اقرأ باسم ربك الذي خلق" ولم يقل باسم الله، وذلك لأنه أراد سبحانه منذ البدء أن يشير إلى أن هذا الدستور الإلهي إنما هو تربية، إنه ينزل باسم المربي، وما دامت هذه التربية إلهية المصدر فهي إذن محكمة وكاملة في جميع جوانبها. إن الله سبحانه وتعالى بين في هذه الآية أن هذه التربية يجب أن تتقبل دون شك أو تردد لأنها من الذي خلق فكون كل خلية في الجسم ونسقها مع غيرها، وهو محيط علما بالإنسان، فهذه التربية ليست من كائن لا صلة له بالمخلوق، وإنما هي تربية الخالق نفسه الذي أحاط علماً بدقائق الخلق، وعرف ما تحتاج إليه مخلوقاته، وعرف الضار والنافع، وعرف الخير والشر، فتربيته إذن قيادة على علم، وهداية على بصيرة. وبالتالي فهي تربية خالدة، لا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، لأن الإنسان هو الإنسان أينما وجد، وأينما كان.