عندما تأمل لُوِينُوك Leeuwenhoek لأول مرة قطرة ماء عبر المجهر، وجد فيها عالما مجهولا: أشكالا تعج؛ كائنات تعيش فيها؛ حيوانات بأكلها غير متوقعة سمح الجهاز فجأة بتوفرها للملاحظة. لكن فكر تلك المرحلة لم يكن له ما يفعله بكل هذا العالم. لم يكن له ((أي الفكر)) أي استعمال يقترحه لهذه الكائنات المجهريّة، ولا أية علاقة تربطها ببقية العالم الحي. لقد سمح هذا الاكتشاف فقط بتغذية الحوارات. أن تستطع هذه الكائنات الصغيرة جدا والتي لا تتمكن العين من الكشف عنها، العيش والسباحة والاهتزاز، ها هو ذا قبل كل شيء موضوع للانبهار، إذا كان في حاجة إلى ذلك، وموضوع خاص جدا للبرهنة على قوة وسخاء الطبيعة. إنه أيضا موضوع للتسلية بالنسبة للمنتزهات والصالونات التي تتعاطى للعلم المُسَلّي. إنه أخيرا موضوع للفضيحة بالنسبة لأولئك، مثل بُوفُون Buffon، الذين يرون في هذه الكائنات المجهرية شكل من أشكال الإهانة للعالم الحي بأكمله. أن تستطيع قطرة ماء احتواء آلاف الأجسام الحية، فهذه شتيمة لكل الكائنات وخصوصا بالنسبة لأنبلهم. وفي الوقت نفسه، عندما رأى رُوبِير هُوك Robert Hooke قطعة من الفلين بواسطة المجهر، تبين أشكالا من التجاويف سماها خلايا، وجد Malpighi وآخرون أشكالا مشابهة في مقاطع بعض الأنسجة النباتية. لكنهم لم يكونوا في وضع يسمح لهم باستخلاص أدنى نتيجة بخصوص تكوين النباتات. في نهاية القرن 17، كان الأمر يتعلق بتحليل البنية الظاهرة للكائنات الحية وليس تجزيئها إلى وحدات فرعية. إن الميدان الوحيد الذي يكون فيه التفكير مستعدا لاستقبال ما يكشفه المجهر، هو ميدان التوالد. ففي كل زمان، إن الأحداث التي ترافق خلط البذور ونمو البيضة قد بقيت متخفيّة، بسبب نقص في المعدات الحسية الكافية. (...). فلكي يكون الموضوع قابلا للتحليل، لا تكفي رؤيته. يجب أيضا أن تكون هناك نظرية مستعدة لاستقباله. في التبادل بين النظرية والتجربة، فإن الأولى هي التي تبدأ دائما الحوار. إنها هي التي تحدد شكل السؤال، وبالتالي حدود الجواب. "الصدفة لا تساعد إلا العقول المستعدة لها"، كما قال باستور Pasteur. تعني الصدفة هنا، أن الملاحظة قد تمت خطأً وليس بهدف التحقق من النظرية. لكن النظرية كانت موجودة سابقا، وكانت تسمح بتفسير ما هو عارض.
François Jacob, La pratique du vivant, Une histoire de l'hérédité, Ed. Gallimard, 1970, pp. 23-24.