الأطفال المتأخرون عقليا
ومشكل الإدماج المدرسي
أ.د الغالي أحرشاو
د أحمد الزاهير
شعبة علم النفس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز، فاس، المغرب
لم يخل أي مجتمع في الماضي ولا يخلو أي مجتمع في الوقت الحاضر من أفراد يتميزون بنقص هام في قدراتهم العقلية، وإن كانوا يشكلون نسبة ضئيلة من سكانه .واللغة العادية غنية بالألفاظ التي تدل على الفرد الذي يعاني من هذا النقص .فالمعتوه والأبله والواهن والغبي، كلها تسميات ونعوث نصدرها في حق كل واحد نحكم على ذكائه بالضعف والقصور .
وقد تبنى علم النفس مفهوم التأخر العقلي للتعبير عن هذه الظاهرة، باعتبار أن ضعف الذكاء هو بالقياس مرتبة متأخرة جدا بالنسبة لمستوى المجموع العام للأفراد وتأخر في النمو بالنسبة للمستوى الذي يجب أن يكون عليه الفرد في سن معين .فالأنجلو***ونيون يستعملون Mental retardation والفرنسيون يستعملون Arrieration Mentale كإطار تندرج ضمنه كل القصورات والنواقص التي تطبع القدرات العقلية ونموها، لكن مع التمييز بين ثلاث درجات للتأخر العقلي هي :العميق والمتوسط والخفيف .وإن أهمية هذا التمييز لا تكمن فقط في التحديد الدقيق للتأخر العقلي بل أيضا في أبعاده التطبيقية المتمثلة في التربية والعلاج .
ويعتبر التمدرس من العوامل الأساسية التي أدت إلى إبراز هذه الظاهرة وتعريفها .فرغم أن التأخر العقلي يشكل ظاهرة مرضية من اختصاص الطب العقلي، فإن المدرسة كمرجع تربوي وثقافي هي التي تعطيه دلالته الحقيقية .فالمتأخر العقلي يظهر أولا وأخيرا كفرد غير قابل للتربية والإدماج الاجتماعي .
إن الهدف الرئيسي من مقاربة هذه الظاهرة كمفهوم على المستوى النظري وكمشكل سوسيوتربوي على المستوى الميداني، يتجلى من جهة في رفع كل الملابسات والصعوبات التي تحيط بهذه الظاهرة وتعوق التعرف والتعريف بحجمها وأبعادها .ويتمثل من جهة أخرى في الخروج باستنتاجات وخلاصات هامة حول واقع الأطفال الذين يعانون من هذا المشكل بالمدار الحضري لفاس .
ولبلوغ هذا الهدف سنركز في هذا البحث على نقطتين أساسيتين:
الأولى تخص الملابسات العامة لهذه الظاهرة، إن على مستوى التحديد والتشخيص أو على مستوى المعطيات والمشاكل .
و الثانية تهم مشكل التأخر العقلي والإدماج المدرسي، إن على مستوى التمدرس أو على مستوى العلاج التربوي .
1 - ظاهرة التأخر العقلي وملابساتها العامة
ما المقصود بالتأخر العقلي عامة وبالمتأخر العقلي خاصة ? ليس من السهل تقديم إجابة نهائية ومقنعة عن هذا السؤال وذلك لاعتبارين اثنين:
الأول :قوامه صعوبة الوصول إلى القول بتحديد متجانس وموحد لهذه الطاهرة .فحتى وإن كان النقص العام في القدرة العقلية يمثل العنصر الذي يوحدها، فإن اختلاف معايير تعريفها وتنوع أسبابها ومحدداتها وتعدد أصنافها ودرجاتها وتباين مظاهرها وخصائصها، كلها وقائع ومؤشرات تدل على أنه لا يوجد هناك تأخر عقلي ككيان إكلينيكي بالمفرد .
الثاني :مفاده أن هذا المفهوم الذي خضع على امتداد القرنين الأخيرين، وبصفة خاصة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، لعدد من التعديلات والتحليلات سيبقى مع ذلك مثار اللبس والغموض، حيث سيستخدم بألفاظ وصيغ متعددة من قبيل :العتاهة العقلية، الغباوة، البلاهة، التخلف العقلي، النقص العقلي، القصور العقلي، الاختلال العقلي ....الخ.
و قصد تقديم بعض الوقائع والمعطيات اللازمة للإجابة على السؤال السابق، سنركز في هذا النطاق على نقطتين فرعيتين:
الأولى تتعلق بمستوى التحديد والتشخيص والثانية ترتبط بمستوى المعطيات والمشاكل .
1-1: على مستوى التحديد والتشخيص
تستدعي عملية تحديد مفهوم التأخر العقلي وتشخيص بعض مضامينه الاعتماد على الأبعاد الثلاثة التالية:
أ- التعريف والدلالة:
يمكن تحميل الملف كاملا من الرابط التالي:
