البحث عن الشغل ومواجهة البطالة
لدى خريجي الجامعة
الغالي أحرشاو(*)
أحمد الزاهـر(*)
مقدمة
تشكل فئة الشباب في المغرب المعاصر إحدى الفئات الاجتماعية البالغة الأهمية، إن لم نقل إحدى الطاقات البشرية الهائلة التي لو توفرت لها الظروف المجتمعية الملائمة، وخاصة شروط التكوين والتشغيل، للعبت دورها الطلائعي في المسيرة التنموية للبلاد وفي تحديد الآفاق الواعدة لمسارها ومستقبلها. نقول هذا لأننا نعلم جيدا أن هذه الفئة، وخاصة فئة الشباب الحاصل على الشهادات الجامعية، تعاني صعوبات ومشاكل حادة من جراء وضعية البطالة التي أصبحت قدرها المحتوم ومآلها المرسوم. فرغم كل التدابير والإجراءات التي اتخذت خلال العقد الأخير قصد تحسين ظروفها الاجتماعية والمهنية وأحوالها الاقتصادية والمعيشية، إلا أنها ماتزال عرضة لكثير من مظاهر القلق والضغوط الناجمة عن صعوبات الحصول على الشغل وعن أوضاع البطالة.
ورغبة في استكشاف طبيعة التوترات والضغوطات التي يواجهها خريجو الجامعة المغربية نتيجة هذه الصعوبات والأوضاع سنعمد في هذا البحث إلى مقاربة مجموعة من القضايا الجوهرية التي نجملها في الأسئلة التالية:
كيف يباشر خريجو الجامعات عملية البحث عن الشغل؟ ما هي المتغيرات الأساسية المتحكمة في هذه العملية؟ ثم ما هي علاقة البطالة بهذه العملية؟ وما هي الوسائل التي يستعملها هؤلاء الخريجون لمواجهة مختلف الضغوطات التي تصاحبها؟
1. إشكالية البحث
بعد أن كان مشكل البطالة لا يمس في المغرب سوى بعض عناصر الشباب غير المؤهل علميا ومهنيا أصبح ابتداء من أواسط الثمانينات من القرن العشرين يطال أعدادا هائلة من خريجي الجامعات وذوي الشهادات العليا. فأمام التزايد المطرد في آلية تكوين الخريجين وأمام عجز النسيج الاقتصادي المغربي على امتصاص هذه الأعداد أصبحت عملية البحث عن الشغل تطرح نفسها بحدة حيث غالبا ما تنتهي بأكثر من (90%) من خريجي الجامعات المغربية في كل سنة إلى وضعية بطالة مزمنة. وإذا كانت محاولة إبراز محددات هذه العملية كما يباشرها هؤلاء الخريجون وعلاقة كل ذلك بأوضاع البطالة التي تطال أغلبهم ثم نوعية الاستراتيجيات التي يوظفونها لمواجهة هذه الأوضاع، تمثل إشكاليتنا المركزية في هذا البحث، فإن ذلك يعني ضمنيا التركيز على جملة من القضايا الجوهرية المتمثلة في الوقائع التالية:
- إذا كانت كل المؤشرات والدلائل تجمع على حقيقة واحدة هي أن نظام التكوين المعتمد وخطط التشغيل المتبعة ومظاهر اللاتطابق بين مضامين التكوين وفرص التشغيل،كلها عوامل وأسباب تحكم على الخريج الجامعي في المغرب بالبطالة وتطرح مشاكل شتى بالنسبة لاندماجه السوسيومهني، فإن هذه الوضعية التي أصبح الجميع يعترف بها ويقترح لها الحلول تلو الحلول هي كثيرة الآثار ومتنوعة الانعكاسات. فهي لا تقتصر من حيث آثارها وانعكاساتها السلبية على ما تمثله من مظاهر الإحساس بالاكتئاب والضياع والتهميش والدونية والخوف من المستقبل بالنسبة للخريج العاطل بل تتعدى هذا الحد لتشمل مختلف عناصر ومكونات المجتمع.
- إذا كان الاندماج السوسيومهني لا يمرّ إلا عبر المعارف والكفاءات التي اكتسبها الخريج أثناء التكوين، بحيث هي التي ستمكنه من التكيف مع المهام والمواقف التي تستلزمها نوعية العمل الذي سيزاوله، فإن المطابقة بين التكوين والتشغيل أصبحت تشكل المعيار الأساسي لتقويم فعالية النظام التكويني ومردوديته وعلاقته مع محيطه السوسيواقتصادي. ومن هنا يمكن التأكيد على أن التوجه التقليدي للجامعة نحو التعليم من أجل صناعة الأساتذة والموظفين فقط يبدو توجها متجاوزا في الوقت الحالي وذلك بفعل المستجدات الكثيرة التي أضحت تفرض نفسها وفي مقدمتها: التزايد المطرد لطلبة الجامعات في المغرب، حيث انتقل عددهم من (74) ألف سنة 1980 إلى (265) ألف سنة 2000، والانسداد الواضح لمنافذ الشغل الكلاسيكية نتيجة ظهور وظائف ومهن جديدة لا يمكن للجامعة في شكلها الحالي أن تؤمنها إلا إذا جدّدت آلياتها وبرامجها واعتمدت على المعارف والمهارات النوعية والتقنية المطابقة لسوق الشغل. ومعنى هذا أن الجامعة المغربية حتى وإن كانت خلال فترات طويلة نسبيا قد لعبت دورها الكامل على مستوى التكوين والتشغيل إلا أن أهدافها ورهاناتها الأصلية أصبحت اليوم تواجه صعوبات وتحديات كبرى نتيجة تواضع أنظمة تكوينها وأزمة بطالة خريجيها. لكن واقع الانفصام بين التكوين والتشغيل، وهو أحد أسباب هذه الأزمة، لا يعود فقط إلى نوعية التكوين بل إن نظام التشغيل وآلياته المتعددة يلعب دورا أساسيا في هذا المضمار. فكثيرة هي القرائن التي تؤكد أن المنطق الذي يحكم هذا النظام مايزال يرجح كفة علاقات القرابة والولاء وال**ونية على كفة المعايير العقلانية والموضوعية، وهو الأمر الذي تضيع معه فرصة الاستفادة من الطاقات الشابة التي أصبحت البطالة قدرها المحتوم.
- أكيد أن البحث عن الشغل عملية طبيعية يباشرها كل فرد يتوخى تحقيق مكانته الاجتماعية واندماجه السوسيومهني. فالشغل، وفضلا عن كونه يمثل المورد المادي الأساسي لكل فرد، فهو يشكل القيمة الاجتماعية التي عبرها يحقق هذا الأخير بعض عناصر تكيفه واستقراره واندماجه. فبفضل العمل يتحول الإنسان إلى عنصر إيجابي فاعل داخل المجتمع، حيث تكتمل هويته وتبرز شخصيته وتتحقق ميولاته ومطامحه وتشبع حاجاته ورغباته. فهو يصبح ببساطة ذا مكانة اجتماعية مغايرة لما كان عليه قبل مباشرة العمل؛ إذ ينتقل من حالة الفرد التوكلي، الخاضع واللامبالي إلى حالة الفرد المسؤول، المستقل والمبادر داخل شتى مؤسسات المجتمع، أسروية كانت أم مهنية.
وهكذا لا يمكننا أن نتصور إنسانا متوافقا نفسيا ومندمجا اجتماعيا في غياب ممارسته لعمل محدد أو امتهانه لوظيفة معينة. وبالتالي فإن السؤال المطروح هو: إذا كانت هناك متغيرات أساسية هي التي تحكم عملية البحث عن الشغل، فما هي طبيعة هذه المتغيرات في الحالات المنظمة التي تولي فيها بعض الدول أهمية كبرى للشغل كعنصر أساسي لتحقيق الاندماج السوسيومهني؟ وما هي طبيعة هذه المتغيرات في حالة المغرب الذي أصبح ابتداء من أواسط الثمانينات من القرن العشرين يعرف تزايدا واضحا في بطالة خريجي الجامعات وصعوبات شتى في الحصول على العمل؟
الواقع أن المتغيرات المحددة لعملية البحث عن الشغل في الحالات المنظمة تتجلى بصفة إجمالية فيما يلي:
يمكن تحميل الملف كاملا من الرابط التالي:
