العلوم المعرفية وتكنولوجية المعرفة
Cognitives sciences and technological knowledge
الغالي أحرشاو
شعبة علم النفس
كلية الآداب والعلوم الإنسانية - ظهر المهراز – فاس
المغرب
ما المقصود بالعلوم المعرفية؟ ما هي أصولها التاريخية ومرجعياتها النظرية؟ ما هي مصادراتها الرئيسية ونماذجها الجوهرية؟ وأخيرا ما هي أهدافها التطبيقية وحدودها العلمية؟ وإذا كانت هذه هي جملة الأسئلة التي سنعمل على مقاربتها في هذا المقال فإن ما يستوجب التنبيه هنا هو أن الإجابة عن مضامينها وأبعادها لن تكون إجابة مقنعة لكون أن المصادر والمعطيات اللازمة لذلك ماتزال حتى الآن قليلة وغير متوفرة بالشكل المطلوب. ولهذا فإن اهتمامنا لن يتجاوز في هذا النطاق حدود التعريف الأولي بهذه العلوم من خلال استحضار جملة من الوقائع ومناقشة جملة من الأفكار التي نفضل تصنيفها تبعا للمحاور الأربعة التالية:
1. مفهوم العلوم المعرفية وميدانها
هناك اتفاق شبه عام على أن العلوم المعرفية les sciences cognitives أصبحت تشكل منذ سنة 1977 الحقل التخصصي المحدد والمتميز بموضوعه المتمثل في دراسة السيرورات المعرفية عامة، وبمنهجه التجريبي الذي يأخذ صورة التجريب الرمزي الافتراضي، وبميدانه الذي تتفاعل فيه جملة من التخصصات العلمية أهمها: السيكولوجيا، اللسانيات، المعلوميات، المنطق والعلوم العصبية (Le Moigne، 1986: 331-340). والواقع أن هذه العلوم التي تشكل علوما للكفاءة المعرفية la compétence cognitive تهتم أساسا بتكوين المعرفة وإنتاجها وتنظيم المعلومات الرمزية ومعالجتها، وإن كانت تنعت في الوقت الحالي بتسميات متعددة (علوم الأنظمة والحاسوب والتفكير والنسقية...)، فإن الذي يكون وحدتها هي كونها تعتبر أن الأداءات المعرفية les performances cognitives لمختلف الأنظمة الطبيعية (سيكولوجيا، لسانيات، سوسيولوجيا، اقتصاد، علوم الأعصاب)، والأنظمة الاصطناعية (إلكترونيات، معلوميات، ذكاء اصطناعي، إنسانية آلية la robotique) تحيل جميعها على البنية المعرفية المتمثلة في معرفة افتراضية فعلية وتشترك في كونها تعمل على فهم المشكلات وحلها واتخاذ القرارات بشأنها. إلا أن المفروض هو أن هذه العلوم التي تهتم ببنية المعلومات وبوظائفها الأساسية مطالبة بعدم الوقوف عند حدود دراسة الأشياء التي تشترك فيها مختلف هذه الأنظمة لتذهب بعيدا نحو استخلاص الخصوصيات والمميزات وتصبح فعلا علوما للتواصل بين الأنظمة المختلفة للمعرفة (Tiberghien، 1989: 13-23). والملاحظ أنه إذا كان الشكل الوارد في نهاية الحديث عن هذا المحور يوضح البنية العامة لعلوم المعرفية وتكنولوجيتها، فإن مثل هذا التحديد يعيد النظر بشكل واضح في التعارض بين الأنظمة الطبيعية والأنظمة الاصطناعية للمعرفة. وإذا كان هناك وجود لمعرفة افتراضية، فالمؤكد أنه لا وجود لحدود مقدسة أو محظورة بين الذكاء الطبيعي والذكاء الاصطناعي، بل لا توجد هناك سوى الأنظمة التي، وبعيدا عن خاصياتها النوعية لكي لا نقول الجزئية، تتقاسم نفس الخاصيات البنيوية والوظيفية (Simon، 1988: 104-110). ويعني هذا أن علوم المعرفية، وعلى عكس العلوم بمفهومها المألوف (الفيزياء، المعلوميات، السيكولوجيا، البيولوجيا، اللسانيات...) والتي تهتم أساسا بالمظاهر الجوهرية للأنظمة التي تدرسها، تركز بالدرجة الأولى على الجانب الذي تشترك فيه هذه العلوم، وبالتالي يتضح من واقعها الحالي أنها ماتزال تشبه شركة استيراد وتصدير، بحيث أن بلوغها مستوى المنظومة العلمية الموثوق فيها يستوجب منها ومن أنظمتها المعرفية الاستناد إلى علوم التواصل.
يمكن تحميل الملف كاملا من الرابط التالي: