تمر كل معرفة تجريبية بثلاث مراحل: تجربة تم القيام بها، ومقارنة تم عقدها، وحكم تم تعليله. ولا يقوم المنهج التجريبي بشيء آخر سوى ببناء حكم حول الوقائع التي تحيط بنا، بمساعدة معيار هو نفسه ليس إلا واقعة معدة لمراقبة الحكم ولإنتاج التجربة. فالتجربة بهذا المعنى العام، تصبح المصدر الوحيد للمعارف الإنسانية. ليس للفكر في حد ذاته إلا إحساس بعلاقة ضرورية بين الأشياء، لكنه لا يمكنه أن يعرف شكل هذه العلاقة إلا بواسطة التجربة.
يجب إذن أخذ شيئين بعين الاعتبار في المنهج التجريبي: أولا، فنّ الحصول على وقائع مضبوطة بواسطة تَقَصّ صارم؛ ثانيا، فنّ تشغيلها بواسطة الاستدلال التجريبي لاستخلاص معرفة منها بقانون الظواهر. لقد قلنا إن الاستدلال التجريبي ينطبق دائما وبالضرورة على واقعتين في نفس الآن، إحداهما تصلح له كنقطة انطلاق: وهي الملاحظة؛ والأخرى تصلح له كخلاصة أو مراقبة: وهي التجربة.
[...] لكن، وخارج الاستدلال التجريبي، لا توجد الملاحظة والتجربة بالمعنى التجريدي السابق، لا يوجد في إحداها كما في الأخرى إلا وقائع ملموسة يجب الحصول عليها بواسطة إجراءات البحث الصحيحة والصارمة. [...] يجب على الباحث نفسه أن يتميز بكونه ملاحظا ومجربا؛ ليس لكونه فاعلا أو غير فاعل في إنتاج الظواهر، ولكن وفق ما إذا كان يؤثر عليها أو لا يؤثر لكي يصبح سيداً عليها.
Claude Bernard. Introduction à l’étude de la médecine expérimentale, I, 1, II, coll. « Champs », Flammarion, 1984.