إن الاختلاف الأساسي بين العلوم الفيزيائية والعلوم الإنسانية ليس مردّه، كما كان يتم التعبير عنه دائما، إلى قدرة هذه العلوم على إجراء التجارب وإعادة تكرارها بنفس الكيفية، ذلك أن العلوم الإنسانية هي الأخرى تستطيع القيام بالتجارب، إن لم تكن جميعها فعلى الأقل هناك اللسانيات والإثنولوجيا بدرجة أقل، فهما قادران على التحكم في عناصر قليلة العدد وعلى تركيب هذه العناصر في عدد كبير من الأسناق مع احتفاظ كل عنصر باستقلاليته الزمنية والمحلية. ماذا يعني هذا، سوى القدرة على التجريب، سواء أكان بشكل قبلي أو بعدي، وهي مقدرة تستمد مشروعيتها من الطريقة التي يتم بها تعريف وعزل ما تسمى بالواقعة العلمية؟إذا كانت العلوم الفيزيائية تعرف وقائعها العلمية بنفس التخيلات ونفس عدم الاكتراث التي تطبع معظم العلوم الإنسانية، فهي كذلك ستكون سجينة الحاضر الذي لن يحدث مجددا أبدا.
إلا أنه إذا كانت العلوم الإنسانية تكشف ضمن هذه العلاقة عن عجز (الذي يرجع في الغالب للنوايا السيئة) فمرده إلى المفارقة التي تترصدها والتي تدرك من خلالها اللبس الذي يتهددها: كل التعاريف الصحيحة للواقعة العلمية لها تأثير إفقار الحقيقة المحسوسة وإذن إسقاط طابع الإنسية عنها. وبالمقابل، ومهما نجحت العلوم الإنسانية في أن تشتغل فعليا بشكل علمي، فإن العلاقة بين ما هو إنساني وما هو طبيعي يجب أن تخبو بالتدريج. إذا ما أصبحت يوما علما يتمتع بكامل الحقوق، فإنها سوف تكف عن تميزها عن باقي العلوم. ومن هنا الورطة التي لم تجرئ العلوم الإنسانية على مواجهتها: إما الحفاظ على أصالتها والانحناء أمام التباينات غير القابلة للتجاوز والمتمثلة في الوعي والتجربة؛ وإما أنها ستدعي تجاوزها، ولكن من خلال التنازل عن المكانة التي تحتلها في نسق العلوم، من خلال قبلوها بأن تدخل "في الصف" إذا جاز القول.
C.L. Strauss, Anthropologie structurelle II, Ed. Plon, 1973, pp. 344-345.