إن التمييز بين علوم الإنسان وعلوم الطبيعة يمكن بالتأكيد الدفاع عنه أولا من وجهة نظر الصعوبات الإبستمولوجية والمنهجية (...). ولكن، من جهة (...)، فالعديد من هذه الصعوبات ليست مقتصرة على العلوم الإنسانية، وأن مشكل الموضوعية التجريبية لا يتضمن فقط حلين متقابلين، حسب ما إذا كان البحث العلمي ينصب على مواضيع فيزيائية وفق مقياسنا أو ينصب على الإنسان في المجتمع، لكنه يفضي إلى تشكيلة بأكملها من المقاربات المتوالية، حسب ما إذا كانت الظواهر الفيزيائية قد درست حسب مقاييس مختلفة وبالخصوص حسب ما إذا كنا ننتقل من الفيزياء-الكيمياء إلى الفيزياء البيولوجية إلى الكيمياء البيولوجية، ومن ثمة إلى التخصصات البيولوجية الخالصة ثم إلى علم النفس وأخيرا فقط إلى العلوم التي تنصب على المجتمعات الإنسانية في شموليتها. من جهة آخرى، فالمناهج المستعملة بالخصوص ستستجيب لتبادلات متداولة أكثر فأكثر بين علوم الطبيعة وعلوم الإنسان.
إن السبب الأساسي للتعارض بين هاتين المجموعتين من العلوم يتعلق بدور "الفرد" وبخصائصه، ولذلك فإن هذا التعارض يتغيّر حسب ما إذا كانت الأوساط الثقافية التي تنمو فيها علوم الإنسان هي أكثر حساسية أو أقل حساسية للإغراءات الميتافيزيقية. بالنسبة لمؤيدي علوم الفكر غير القابلة للاختزال (...)، لا يشكل "الفرد" جزءا من الطبيعة، ولكنه المشاهد لها أو في بعض الأحيان صانعها ، في حين أنه، بالنسبة لمؤيدي الاستمرارية، فكون الإنسان فردا هو في حد ذاته ظاهرة طبيعية من بين ظواهر أخرى، وهذا لا يمنع الفرد من السيطرة على الطبيعة أو تغييرها ولا يمنع من أن يقدم الفرد كل النشاطات التي تمنحها الفلسفة التقليدية "للأفراد". وهذا هو رهان المشكلة.
Jean Piaget, Epistémologie des sciences de l’homme, 1970, Saint-Amand, Gallimard, Coll. Idée, pp. 91-93.