الذكاء الاصطناعي والاقترانية
رأت النماذج الاقترانية connexionnisme النور أواسط السبعينات، وتهدف إلى نمذجة شبكات الوحدات الأولية وتقييسها لمعالجة المعلومات في اقتراناتها المتبادلة حيث تمثل وحدات المعالجة خلايا عصبية خطاطية neurones schématiques وتقيّس الاقترانات السنابات synapses([1]). وقد كثر الحديث منذ بضع سنوات عن الشبكات الاقترانية réseaux connexionnistes التي اعتبرها البعض تعويضا عن الذكاء الاصطناعي، واعتبرها البعض الآخر دليلا على تطور طبيعي لهذا الحقل([2]). وبالفعل تتقدم الاقترانية كانبعاث ثان للسيبرنتيقا القديمة، التي تعتبر تخصصا أقدم من الذكاء الاصطناعي، حسب تاريخ ظهورها الذي يوافق سنة 1948 على إثر نشر أعمال Norbert Wiener، وبذلك فهي ترتكز على أسس مختلفة عن أسس الذكاء الاصطناعي. لقد قرر بيولوجيون، وفيزيائيون، وإلكترونيون في الأربعينيات من هذا القرن، توحيد جهودهم لصنع نموذج للجهاز العصبي، حيث بدأ تقييس النورونات بمجموعة أوطوماط أولية مرتبطة فيما بينها بعلاقات سميت "سينابات" تسمح بمرور تيار عصبي مختلف الكثافة. وبتقليد ظواهر المرونة السينابية، التي لاحظها البيولوجيون العصبيون، أصبحت العلاقات بين مجموعة الأوطوماط قابلة لأن تتغير بشكل دينامي، مُقيّسة بذلك ظواهر التعلم.
أصبح الأمل معقودا على ضبط الظواهر المعرفية من خلال تقييس المادة البيولوجية التي يشتغلون عليها. إن وصف هذه المقاربة بالمقاربة السيبرنيتيقية أو المقاربة الاقترانية، أبدى اختلافها الجوهري مع مقاربة الذكاء الاصطناعي، لأنها ترتكز على نمذجة فيزيولوجيا الجهاز العصبي، في حين يهتم الذكاء الاصطناعي بتقييس السلوك المعرفي، أي القدرات العليا للذكاء مثل الكلام، والذاكرة، والإدراك، والتفكير...
خلال سنوات الثمانين، نتج عن ضبط الصلات السينابية، إعادة الاهتمام بالمقاربات الاقترانية. ومع تنامي نجاحاتها، وتوضيح النوروبيولوجيا للميكانزمات التي تتدخل في الخلايا العصبية، تم الاقتراب من بديهية مفادها أن الحصول على نتائج ناجعة، يؤدي بالنموذج الإعلامياتي إلى الابتعاد تدريجيا عن الواقع البيولوجي.
تمنح الشبكات الاقترانية إمكانيات اشتغال خاصة ومفيدة، لإن سلوكها غني وقادر على نمذجة ميكانزمات معقدة تتدخل في العديد من النشاطات المعرفية، مثل الإدراك البصري أو السمعي. إلا أن المرجع البيولوجي في هذه النمذجة لم يعد سوى تشبيها واستعارة. وبما أن الشبكات الاقترانية أو شبكات النورونات تتبنى سلوكات ذكية فإنها جزء من الذكاء الاصطناعي، بغض النظر عن الشروط التاريخية التي أنتجت كلا منهما.
[1] راجع Tiberghien (1991b، 291-292).
[2] راجع بالخصوص Ganascian, J.G.(1994).