العلاقة "أم – طفل" وسيرورة اكتساب اللغة
أ.د. الغالي أحرشاو
وحدة النمو وسيرورات اكتساب المعارف
قسم علم النفس – كلية الآداب
والعلوم الإنسانية – ظهر المهراز بفاس
المملكة المغربية
ملخص
نسعى في هذا البحث إلى الدفاع عن فكرة استحالة القول بنظرية في اكتساب اللغة باعتماد نموذج الطفل المعزول عن المحيط وعن الآخر، وذلك من خلال إبراز أهمية السياقات التفاعلية والأنشطة المعرفية ودورها في سيرورة اكتساب اللغة عند الطفل. وهي الفكرة التي تؤطرها جملة من النظريات السيكولوجية واللسانية الدقيقة وتوجهها مجموعة من الأفكار والحقائق المرتبطة على التوالي بمكانة العلاقة "أم-طفل" وبدور استراتيجيات الطفل المعرفية في هذه السيرورة.
Abstract
This research aims at discrediting any theory of language acquisition which isolates the child from his/her human and natural environments. This work highlights the importance of interactional contexts and cognitive activities in child language acquititions. This view is supported by psycholinguistic theories and facts relating to the mother-child relationship, as well as by the child’s own strategies of acquisition.
إلى وقت قريب جدا كانت النزعة المهيمنة داخل علم النفس تراهن على دراسة الطفل ككائن معزول، تتحدد مهمته في تكوين تمثلات حول مكونات هذا الكون وفي استقلال تام عن المحيط وعن الآخرين. لكن اليوم، وبفعل الاقتناع بأن تمثلنا للكون يتكون في جزئه الكبير بناء على القواعد الاجتماعية والثقافية والأنظمة اللغوية والسيميائية، لم يعد هناك مكان للقول بنظرية في النمو باعتماد نموذج الطفل المعزول. فقد أصبح من المستحيل تحديد الكيفية التي يكتسب بها الطفل هذه القواعد والأنظمة بدون التخصيص الدقيق لأشكال التفاعل التي تؤطرها وتندرج ضمنها.
والحقيقة أن الاهتمام المتزايد بالسياقات التفاعلية التي يشارك فيها الأطفال أصبح واضح المعالم في ميدان اكتساب اللغة، سواء تعلق الأمر بالتفاعلات بين الأطفال أنفسهم أو بالتفاعلات بينهم وبين الراشدين. وإذا كان أمر هذه السياقات التفاعلية، المتمثلة خاصة في العلاقة "أم-طفل"، ودورها في سيرورة اكتساب اللغة الأم هو الذي سيحظى باهتمامنا في هذا البحث، فإن أهم الأفكار والمبررات الكامنة وراء هذا الاختيار تتلخص في الوقائع والأسئلة المحورية التالية:
- لقد أصبح القول بأن ارتقاء اللغة عند الطفل يرتبط ارتباطا عضويا بالمحيط اللفظي الذي يتم فيه، من الأمور البديهية. فرغم امتداد فترات التجاهل الواضح لخصائص التفاعل مع هذا المحيط على مستوى البحث والاستكشاف لسنوات عديدة، فقد تأكد منذ السبعينات من القرن العشرين أن من واجبات عالم النفس الوعي بالترابط العضوي لمختلف جوانب النمو، وبالتالي فإن البحث لا يجب أن يشمل فقط نماذج الراشد اللغوية الموجهة للطفل بل كذلك مختلف السلوكات العلائقية التي تندرج فيها التفاعلات اللفظية (Richelle، 1976: 89).
- كثيرة هي الأعمال التي توضح كيف تلائم الأم لغتها وكيف تكيف سلوكها أثناء تعاملها مع أطفالها ومساعدتهم على التعلم (Snow، 1977؛ Nino وBruner، 1978). فهي تشير كلها إلى أنه إذا كان الطفل يمتلك جهازا لاكتساب اللغة (LAD) فإن هذا الميكانيزم الفطري يستلزم تدخُّل الراشد عبر استخدام ميكانيزم آخر ينعت بالنظام الداعم للاكتساب (LASS)؛ بحيث أن التفاعل بين هذين الجهازين هو الذي يُصيِّر اكتساب اللغة عند الطفل أمرا ممكنا(*).
- رغم تعقد النظام اللغوي فإن جل الأطفال يتعلمون اللغة في سن مبكر ويوظفون مكوناتها الصوتية وسلاسلها اللفظية ووحداتها الدلالية بسهولة ومهارة للتعبير عن عناصر الكون ومظاهره المتنوعة. وإذا كان تحقيق هذه المهمة يتطلب من هؤلاء تجنيد سلسلة من الأنشطة الذهنية والمجهودات الشخصية المساعدة على فهم اللغة وإنتاجها والتواصل بها، فإن هذا الأمر لا يتم بمعزل عن مبادرة الوالدين وتدخلاتهما وتوجيهاتهما.
إذن إذا كانت تلك هي الوقائع والأفكار الموجهة لمضامين هذه الدراسة، فإن القضايا الجوهرية التي سيتم التركيز على مقاربتها تتلخص في الأسئلة التالية:
كيف يكتسب الطفل اللغة وما هي ميكانزمات هذا الاكتساب؟ ما هي مكانة الأم في سيرورة الاكتساب هاته؟ وما موقع الوعي والاستراتيجيات المعرفية في هذه السيرورة؟
1. المقاربات النظرية لاكتساب اللغة
لقد تراكمت في الحقل السيكولوجي، وعلى امتداد ما يقارب قرن من الزمن، معارف واتجاهات نظرية متنوعة يجمعها هدف واحد يتلخص في تفسير كيف يكتسب الطفل اللغة وإلى أي حد يماثل أو يخالف مفهوم الاكتساب هذا أنواع التعلمات الأخرى.
1.1. وجهة نظر سكينر Skinner
منذ انطلاقتها الأولى في اوائل القرن العشرين والحركة السلوكية تولي أهمية قصوى لموضوع اللغة. وهذه واقعة يمكن تلمس بعض مضامينها في أعمال سكينر Skinner الذي يمثل أحد أقطابها البارزين. فهو يختزل اللغة إلى سلوك إسقاطي آني أو إلى نتيجة ما يشبه هذا السلوك، حيث ذهب إلى إضافة مفهوم التعزيز كعامل بارز له أهميته في مدار الأحداث الضرورية لوصف السلوك اللفظي وتفسير عوامل ظهوره (Skinner، 1971). وإذا كان الأمر هنا يتعلق بنزعة اختزالية قوامها أن البحث في موضوع اللغة وكيفية اكتسابها يستدعي توظيف نفس المفاهيم المعتمدة في معالجة السلوكات البسيطة، وفي مقدمتها مفاهيم المثير والاستجابة والتعزيز، فإن هذه النزعة لا تؤمن بالقطيعة بين الإنسان والحيوان، ولا تأخذ بفكرة الانفصال التام بين ما يتحقق على مستوى التواصلات الحيوانية وما يتم على مستوى الأداءات اللغوية الإنسانية. فالوقائع الملاحظة عند الحيوان يمكنها أن تساعد على فهم بعض سلوكات الإنسان بما في ذلك سلوكه اللغوي.
وإن أبرز مثال يمكن الاستشهادُ به في هذا النطاق يتجلى في النموذج الذي قدمه مويرر Mowrer حول أهمية سلوك الأم في تحريض الطفل على اكتساب اللغة. فالتشابه بين أصوات الطفل وإنتاجات الأم الصوتية هو الذي يقوم بدور العامل المحرض على تطوير نشاطه اللفظي ليصبح بعد ذلك مطالبا بالتمرس على الكلام لوحده في غياب الأم (Mowrer، 1960). والواقع أن هذا المنظور القابل للتطبيق حسب مويرر Mowrer على الأطفال والطيور المتكلمة (خاصة الببغاوات) يؤكد بشكل واضح النزعة الاختزالية السابقة الذكر.
إذن يمكن القول بأن عملية اكتساب اللغة تمثل في منظور سكينر Skinner سيرورة إشراطية يحكمها نفس النموذج الإشراطي الإجرائي المعتمد في دراسة التعلم لدى الحيوان. فعلى أساس أن اللغة التي يتكلمها الطفل تشكل من الناحية الطبيعية لغة بيئته ومحيطه فإن اكتسابها لا يمكنه أن يتحقق في معزل عن عمليات التعلم ومبادئه الأساسية، وخاصة مبدأ التعزيز الذي يتخذه الوالدان كاستراتيجية لتصحيح ألفاظ الطفل وتَصْيِيرِها أكثر قربا من لغة الراشد (أحرشاو، 1992: 222-227).
والحقيقة أن انتقادات كثيرة تم توجيهها إلى وجهة نظر سكينر Skinner هاته. ففضلا عن مبالغته في استخدام مفهوم التعزيز كعامل رئيسي في تعلم اللغة واكتسابها وإغراقه في تقدير تأثيرات المحيط على الطفل، نجده يتجاهل تماما الخاصية الإبداعية للغة وكل ما له علاقة بالمعرفة اللسانية. وهذا ما سيؤدي به إلى الفشل الواضح في تفسير سيرورة اكتساب اللغة بمختلف عواملها وآلياتها ومظاهرها.
2.1. وجهة نظر تشومسكي Chomsky
يمكن تحميل الملف كاملا من المرفقات أو من الرابط التالي: