نحو مقاربة معرفية
لسيكولوجية الطفل وسيرورة الاكتساب
في العالم العربي
أ.د الغالي أحرشاو
رئيس وحدة النمو وسيرورات اكتساب المعارف
شعبة علم النفس، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز، فاس
Aharchaou_rhali@yahoo.fr
مقدمة
الأكيد أن الاهتمام في هذه المقالة بسيكولوجية الطفولة في علاقتها بتربية الطفل ورعايتة وحمايتة وتأهيله وتحقيق اندماجه، جاء نتيجة الاقتناع بأن السيكولوجيا في العالم العربي إن أرادت فعلا أن تقوم بدورها المطلوب، فلا مناص لها من الانفتاح على قطاعات المجتمع الحيوية، وفي مقدمتها قطاعات التربية والتكوين، التثقيف والتنشيط ثم الصحة والعلاج، كفضاءات تطبيقية تعج بالظواهر والمشاكل والصعوبات التي من المفروض أن تساهم هذه السيكولوجيا في دراستها وتقويمها وإيجاد حلول لها.
وتجدر الإشارة بهذا الخصوص إلى أن أهم خلاصة انتهينا إليها من خلال الاهتمام بهذا الموضوع على امتداد العشر سنوات الأخيرة هي أنه وبالنظر إلى واقع السيكولوجيا المعاصرة ومقوماتها الحالية، يمكن الإقرار بحاجتنا الماسة إلى سيكولوجيا جديدة للطفولة وسيرورات الاكتساب (أعني النمو والتعلم) مغايرة لتلك التي كانت وما تزال تهيمن عندنا حتى الآن وذلك لاعتبارات عديدة أهمها (أحرشاو، تحت الطبع):
* بالتأكيد أن التحولات التي شهدتها المجتمعات العربية مؤخرا في مجالات الاقتصاد والتربية والثقافة والتكنولوجيا والإعلام، قد ساهمت إلى حد كبير في مضاعفة الاهتمام بالطفولة وبأساليب تربيتها وإعدادها وتأهيلها وتحقيق توازنها النفسي واندماجها الاجتماعي. فعلى مدى الخمسين سنة الأخيرة، عرفت هذه المجتمعات تغيرات وتحولات عميقة شملت بعض جوانب بنياتها السوسيواقتصادية والديمغرافية والثقافية والتربوية. وهي التحولات والتغيرات التي واكبتها مكتسبات بنيوية تمثلت أساسا في بعض مظاهر التطور التي طالت قطاعات ومجالات حيوية كالإصلاح التربوي والإداري والصحي والاندماج في الاقتصاد العالمي. إلا أنه وعلى الرغم من هذه المكتسبات فهي ما تزال تعاني من كثير من بؤر العجز والخصاص التي تعطل طموحها المشروع في التنمية وتُقَوِّضُ كل آمالها في تحقيق هذا الطموح، بما في ذلك بؤر العجز والتأخر في مجال البحث العلمي في بعده السيكولوجي. ومن هنا نرى ضرورة التأكيد على أن نجاح أية استراتيجية لخدمة الطفولة العربية يبقى مشروطا في كثير من جوانبه بمستوى ارتباطه ودرجة ارتكازه على أسس ومقومات سيكولوجيا الاكتساب ذات التوجه المعرفي. فكما سيأتي تفصيل ذلك في الفقرات اللاحقة من هذا المقالة، هناك حاجة ملحة إلى مثل هذا الارتكاز الذي يمثل السبيل الأنجع لدراسة هذه الطفولة وفهمها وتأهيلها وتحقيق مطامحها.
* الإقرار بأن سيكولوجيا الاكتساب التي عاشت خلال العقود الستة الأولى من القرن العشرين تحت سيطرة سلوكية واطسن Watson وتحليلية فرويد Freud وبنائية بياجي Piaget، وهي من الاتجاهات السيكولوجية التي تراجع صيتها وقَلَّ بريقها، عرفت منذ أوائل الستينيات من القرن الماضي تحولا هائلا بفعل ظهور السيكولوجيا المعرفية كاتجاه جديد وكل ما رافق هذا الاتجاه من اكتشافات علمية وخاصة على مستوى كفاءات الطفل المبكرة ودور المحيط والآخر في نموه المعرفي وفي تعلماته.
* الإجماع على أن الإنسان عامة والطفل خاصة عبارة عن نظام فعال لمعالجة المعلومات. إنه آلة نشيطة للتعلم، يتوفر على كفاءات معرفية ومطامعرفية منذ سن جد مبكر ويتعلم باستمرار ويواجه المشاكل بانتظام.
* التسليم بإمكانية إيجاد حلول فعلية لمشاكل العجز والتأخر والتعثر بشتى أنواعها وذلك من خلال إعداد الطرق والبرامج السيكولوجية الملائمة لتشخيص الكفاءات والأنشطة الذهنية وتقويمها وتربيتها.
إذن، إذا كنا في حاجة فعلية إلى سيكولوجيا جديدة للطفل مغايرة لتلك التي كانت وما تزال تهيمن عندنا حتى الآن، فالسؤال المطروح هو ما هي مقومات هذه السيكولوجيا وما هي خصائصها البارزة؟
1. مقومات سيكولوجية الطفل المأمولة
نقصد بهذه المقومات مجمل الخصائص والسمات التي أصبحت تنفرد بها سيكولوجية الطفل ذات التوجه المعرفي والتي ندعو في هذه المقالة إلى اعتمادها كإطار مرجعي أساسي لسيكولوجية الطفل المأمولة عندنا في العالم العربي. وهي بالأساس ست خصائص ( أحرشاو، تحت الطبع):
1.1. الفردانية والتفرّد
يمكن تحميل الملف كاملا من المرفقات أو من الرابط التالي: