التربية الوالدية
في العالم الإسلامي
(مقومات، مشاكل، مقترحات)
الغالي أحرشاو
شعبة علم النفس
كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز
فـاس
تمهيــد
تعد إشكالية التربية ووظيفتها التنموية واحدة من التحديات الكبرى التي أصبحت تواجه مختلف المجتمعات الإنسانية وخاصة المجتمعات الإسلامية. فهذه حقيقة لا جدال فيها؛ إذ أن الإجماع الحاصل منذ قرون عديدة حول ضرورة التربية كسبيل لكل نهضة مرتقبة، قد تعزز منذ أوائل الثمانينات من هذا القرن بإجماع آخر مفاده أن مصير المجتمعات في القرن الحادي والعشرين، قرن العولمة والتكنولوجيا، سيتوقف بمعنى من المعاني على الكيفية التي وفقها ستربي هذه المجتمعات أبناءها. فالتربية التي تشكل في مدلولها الحضاري المرآة الصادقة لحالات الناس وأحوال المجتمع وفي مدلولها العميق الأداة الأساسية للنمو والتطور، قد أضحت في السنوات الأخيرة تمثل إحدى الأزمات المجتمعية العميقة. وإذا كانت أغلب المجتمعات المتقدمة قد أولت هذه المشكلة كل ما تستحقه من عناية واهتمام فإن أغلب المجتمعات الإسلامية ماتزال على العكس من ذلك غير مبالية بها وبانعكاساتها السلبية المتنوعة (أحرشاو، 1998). لكن عن أية تربية نتحدث في هذا النطاق؟
عادة ما يقصد بالتربية مجموع التفاعلات والممارسات والتأثيرات التي يُتوخى منها تلقين الطفل القيم والسلوكات وتعويده على عادات المجتمع وتقاليده. فهي عبارة عن مختلف تقاليد المجتمع وقيمه ونماذج الحياة والتفكير التي لا تُنْقل إلى الطفل بصورة وراثية، بل بواسطة التأثير الثقافي. وهذا يعني أن الطفل يكون منذ ولادته في حاجة إلى التعلمات التي تمكنه من امتلاك الأدوات الثقافية اللازمة لتطبيعه واندماجه الاجتماعي. ومن الطبيعي أن تشكل الأسرة، باعتبارها فضاءا حميميا وموطنا للرعاية ومكانا للعيش، البيئة القوية التأثير في نمو الطفل وتفتق شخصيته. وبهذا المعنى يمكن الحديث عن تربية أسروية. لكن ما موقع التربية الوالدية في هذا الإطار؟ وما علاقتها بالتربية الأسروية؟
كثيرا ما تُختزل التربية الوالدية في التربية الأسروية بحيث يُستعمل هذان اللفظان بالترادف، وهذا غير صحيح لأن التربية الوالدية ما هي إلا مكون أو متغير أساسي من بين المتغيرات الكثيرة المكونة للتربية الأسروية التي هي صاحبة الدور الرئيسي في عملية تنشئتة الطفل وتربيته. فالأسرة التي قد تتعدد وتتنوع مكوناتها لتشمل مختلف أعضائها وفضاءات إقامتها وأدوات تفكيرها وترفيهها ثم أنساق قيمها وثقافتها قد تغطي أيضا الممارسات التربوية المستعملة داخلها بقصد تنشئة أطفالهـا وتربيتهم وممارسات التدخل والتكوين من طـرف الوالدين، وبذلك فهـي تتضمـن التربيـة الوالديـة (Pourtois، 1989؛ During، 1995).
أما التربية الوالدية فعادة ما تختصر في تعامل الوالدين المباشر مع الطفل وبالضبط في الممارسات التي تحدد فعلهما التربوي إزاء هذا الأخير. فهي عبارة عن ممارسات الوالدين اليومية ومواقفهما السلوكية تجاه الطفل قصد تأطيره وتوجيهه وإمداده بمختلف المعارف والخبرات والنماذج والتصرفات والقيم والاتجاهات اللازمة لمواجهة مشاكل الحياة في شتى مظاهرها ومختلف مجالاتها. وبذلك فهي لا تشكل المرادف المطابق للتربية الأسروية أو التنشئة الاجتماعية أو الاتجاهات الوالدية، كما أكدت على ذلك خطأ بعض الدراسات العربية (حسن، 1970؛ كفافي، 1989؛ القرشي، 1986؛ عبد الفتاح، 1992؛ إبراهيم، 1978)، بل إنها وإن كانت تندرج في التنشئة الاجتماعية كمتغير أساسي وتستغرق الاتجاهات الوالدية كإطار أوسع، فإنها مع ذلك تبقى غير قابلة للاختزال في أي لفظ من هذه الألفاظ. فهي تعني أساسا وجود علاقة تربوية تجمع الطفل بوالديه عبر ممارسات محددة، تتمظهر على شكل مجموعة أساليب أو معاملات يتبعها هؤلاء خلال المواقف المختلفة التي يواجهها الطفل إما داخل البيت أو خارجه.
إذن وككل تربية فإن التربية الوالدية هي عبارة عن ممارسة تحكمها مجموعة من المبادئ والأسس وتوجهها سلسلة من الأهداف والغايات وتحدها جملة من العوامل والمحددات وتتحقق عبر فئة من الأساليب والآليات وتتخللها عينة من المشاكل والمعوقات. وهي بهذا التحديد حتى وإن كانت تشكل الميدان المعقد الذي يستدعي مقاربة متعددة التخصصات، تشمل أساسا علوم النفس والاجتماع والتربية والاقتصاد والقانون، فإنها من المنظور الذي يوجه هذه الدراسة عبارة عن ممارسة تربوية تحكمها مرجعية سيكولوجية تتحدد في النظرية التي يحملها الوالدان عن سيكولوجية الطفل، هذه النظرية التي تتمثل من جهة في مجموع التصورات والأفكار التي يكونها الوالدان عن نمو الطفل وكفاءاته وقدراته وحاجياته ورغباته وردود أفعاله ومن جهة أخرى في مختلف الأفعال التربوية للوالدين تجاه الطفل.
في إطار هذا المنظور السيكولوجي الصرف سنعمل على مقاربة إشكالية "التربية الوالدية" كما تمارس عندنا في الدول الإسلامية من خلال الاستنطاق الموضوعي لثلاث قضايا جوهرية وهي: قضية الخصائص والمقومات وقضية المشاكل والمعوقات ثم أخيرا قضية المقترحات والحلول. لكن قبل ذلك لابد من التنبيه إلى أن هذه الدراسة تشرطها ثلاثة حدود رئيسية:
الحد الأول: بطبيعة الحال لا نعتقد أن دراسة بهذا الحجم ستتطرق إلى جميع المشاكل المرتبطة بالتربية الوالدية في العالم الإسلامي. ولكن المأمول منها هو أن تشكل إطارا أوليا لأعمال ودراسات لاحقة يمكن لمؤسسات علمية وفكرية كالهيئة اللبنانية للعلوم التربوية ومركزالإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة أن توفر لها جميع الشروط وأن تهيئ لها كل الظروف اللازمة لمقاربة هذه الإشكالية الحيوية مقاربة علمية أوسع ومعالجة مضامينها ومظاهرها معالجة أشمل.
الحد الثاني: بالتأكيد أنه سيكون من الطوباوي الاعتقاد بإمكانية الإحاطة الشاملة بجميع جوانب وحقائق الممارسات التربوية الوالدية في العالم الإسلامي. فغزارة سلوكات هذه الممارسات وغنى تفاعلاتها لا يسمحان بتاتا بهذه الإحاطة، وبالتالي فطموحنا في هذه الدراسة لن يتعدى حدود تعيين العلامات البارزة وتشخيص الأعراض الدالة وضبط المؤشرات المعبرة التي يمكن معها وبفضلها تكوين تصور شبه-فعلي حول مقومات هذه الممارسات ومشاكلها وحلولها.
الحد الثالث: لابد من التنبيه إلى أن مقاربتنا للممارسات التربوية الوالدية في الدول الإسلامية لا يوجهها أي قصد أخلاقي أو أداتي يخدم سياسة بعينها أو فلسفة بذاتها. فكل ما نسعى إليه في هذه الدراسة هو الالتزام والبقاء عند مستوى المعرفة الموضوعية للممارسات التربوية الوالدية كوقائع وحقائق يومية نعاينُها ونعايشها جميعا، لأن مشكل التربية لا يكمن في تقديرنا في الاختيارات الاجتماعية أو السياسية أو الفلسفية فقط بل يتموضع كذلك عند مستوى المعرفة الموضوعية لمختلف التأثيرات الناجمة عن المحددات النفسية والاجتماعية والتي لا يجب أبدا أن تبرَّرَ فقط بالمبادئ والحدوس الذاتية.
1- الخصائص والمقومات
الراجح أن كل تربية كيفما كان نوعها أو شكلها لها من المقومات والخصائص ما يجعلها قادرة على أداء رسالتها. وهذه المقومات والخصائص عادة ما تنبني على أسس ومبادئ تحكمها وعلى غايات وأهداف توجهها وعلى محددات وعوامل تؤطرها وعلى آليات وأساليب تسيرها. وإذا كانت التربية الوالدية كما تمارس في الدول الإسلامية لا تشذ عن هذا التحديد فإن اهتمامنا في هذا النطاق سينصب أساسا على عرض تحليلي لأهم مبادئ وأهداف ومحددات وأساليب هذه التربية.
1.1. المبادئ والأسس
تشكل مبادئ الثقة في الطفل وتأطيره وفق أساليب مرنة ودقيقة ومراقبته قصد حمايته من المعاشرة السيئة وتخليق سلوكاته وفق معايير الحياة الاجتماعية الصحيحة المتمثلة أساسا في العدل والصدق والاستقامة والنزاهة والتمييز بين الضار والنافع، بين القبيح والجيد، بين الحرام والحلال ثم تعليمه طقوس وتقاليد التفاعل الاجتماعي وخاصة تقنيات العلاقة مع الآخر وقواعد الحوار ومهارة الحياة وآدابها، فضلا عن تمكينه من تمثل الذات وبناء هويته على أسس صلبة، تشكل هذه المبادئ أهم الأسس التي يجب أن تنبني عليها كل تربية والدية نموذجية كما تؤكد على ذلك أغلب الدراسات السيكولوجية الحديثة (Lautrey، 1989؛ Kellerhals وMantandon، 1990-1991؛ Allès-Jardel، 1997). لكن الحقيقة هي أن هذه المبادئ والأسس لا تمثل شيئا جديدا بالنسبة للتربية الوالدية المتشبعة بالتعاليم الإسلامية. فتعليم الطفل وتدريبه وتوجيهه قصد تمكينه من تحمل مسؤولياته والقيام بدوره، ورعايته الرعاية الشاملة المتعلقة بجميع جوانب شخصيته الذهنية والوجدانية والخلقية وتوفير البيئة الملائمة لحاجاته ورغباته وآماله، كلها مبادئ وتعاليم يؤكد عليها التراث التربوي الإسلامي. ففضلا عما يحفل به هذا التراث من اتجاهات ونظريات تربوية كلها تَحًثُّ على أهمية تعليم الطفل وتربيته وإعداده للمستقبل، حيث توجد تلك السلسلة من المباحث التربوية التي صاغها أمثال ابن سحنون وابن حزم وأبي حامد الغزالي وابن سينا ونصير الدين السيوطي وابن جماعة والسمعاني(*) (أحرشاو، 1998)، فلابد من التأكيد على أن هذا التراث ومنذ أن نزل الوحي على النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو يحفظ تعاليم الديانة الإسلامية فيما يتعلق بتربية الطفل ورعايته والاهتمام به. وهذه مسألة قائمة الذات تعبر عنها آيات قرآنية كثيرة نذكر منها على سبيل المثال: "المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا" (18ك، الكهف 46) و"ولا تقتلوا أولادكم إملاق نحن نرزقكم وإياكم أن قَتْلَهُم كان خطأ كبيرا" (17ك، الإسراء 31). وقد تضمنت أحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) حكما وإشارات كلها تنصيص وتأكيد على "حقوق ال*** على الوالدين أن يُبِرّا به وأن يحسنا أدبه واسمه وتعليمه" (عويس، 1977: 126) مثلما هو وارد في الأحاديث الشريفة التالية: "أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم" (رواه ابن ماجة) و"من حق ال*** على الوالد: أن يحسن اسمه ويحسن أدبه" ثم "ما نحل والد ***ا أفضل من أدب حسن" (رواه الترمدي).
2.1. الغايات والأهداف
يمكن تحميل الملف بصيفة pdf من المرفقات أسفله او من الرابط التالي: