| المعلومات |
| الكاتب: |
|
| اللقب: |
معرفي مشارك |
| البيانات |
| التسجيل: |
Dec 2008 |
| العضوية: |
507 |
| المشاركات: |
109 [+] |
| بمعدل : |
0.10 يوميا |
| اخر زياره : |
[+] |
| الإتصالات |
| الحالة: |
|
| وسائل الإتصال: |
|
|
المنتدى :
سيكولوجية الذاكرة
بياجيه
الإبيستمولوجيا وعلم النفس عند جان بياجيه
لايمكن قول كل شيء يمكن قوله عن هذا الرجل. مثل هذا الإقرار الذي يبدو متسرعاً وسابقاً لأوانه, ربما يفهم بمثابة التماس يُراد به الخروج بسلامة على النقد. أو إعفاء نفسه من اعتبارات عديدة لاحقاً.
إلا أنه لا يظل بهذه الدرجة من المصادرة نفسها, طالما أن البحث يتصل برجل هو بياجيه J.Piaget كتب وخلّف ما لا يقل عن 20000 صفحة. بدا ولعاً فيها ومنهمكاً بافتعال المشكلات, وتوليدها, كي تقوده أبدا إلى حلول أو فرضيات جديدة.[1] لكن إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الجانب النوعي لهذا الركام, لا تتضح لنا أهميته العلمية, التي تتصل في الصميم بنمو, وتشكّل العلوم, والمعارف الرياضية والفلسفية, والسيكولوجية ضمن أفق ابستمولوجي تتداخل فيه فروع المعرفة المختلفة .
لنسجل إذن, مثل هذا الاعتراف الحقيقي, مادمنا إزاء محاولة ليست سهلة, تطمح إلى إيجاد وحدة منطقية نوعية, بين مختلف فروع المعرفة الإنسانية, وفهم سيرورة نموها وتفسيرها.
كذلك من الهام, في هذا السياق أن نعرف أن بياجيه بدأ في الأصل بوصفه عالم حيوان, وبيولوجي, وتكوّن كسيكولوجي وفيلسوف قرأ بعمق كانط Kant وهيغلHegel وتأثر بهما, إلى جانب تطورية سبنسرSpencer وكونت Comte . وتابع باهتمام فكرة التطور والبيولوجيا عند برجسون Bergson, لكنه رغب, رغم ذلك, أن يستقل بمشروعه, وأن يحدّد موضوعه, وإن يك(بصورة مضادة للفلسفة)[2]. عبر صياغة سؤاله الأساسي, وسلبه عن الفلسفة, لينتهي أخيرًا كابستمولوجي يهتم ببناء وتكوّن المعرفة وسيرورة نموها .
على هذا النحو يمكننا الشروع مبدئياً, في التعبير بصورة أولية عن المسائل الأساسية, والمشاكل المعرفية الرئيسية, التي أثارتها خصوصا ابستمولوجيا علم النفس أولاً: عند هذا المستوى من البحث, بمقدورنا أن نحدد بصيغة ملموسة أسئلة حول علمية علم النفس, ووحدته النوعية, ومشكلاته المنهجية, وطرائق وتقنيات البحث العلمي فيه, وفي السياق ذاته يصبح من الضروري البحث في اتجاهات المعرفة النفسية الأصلية. وعبرها في علاقة علم النفس بالعلوم الأخرى. كالمنطق وعلم اللغة …. وضمن رؤية " ميتودولوجية " لا بد من قراءة " علم النفس " في صلته مع البيولوجيا بوجه خاص, من حيث أن الأخير مثّل حقلاً خصبًا يستمد منه بياجيه الكثير من مفاهيمه, والوحدات النظرية الخاصة بنسقه المعرفي.
ثانياً: ومن موقع أخر أكثر عمومية من البحث, ترتدي دراسة المشكلات العامة بتصنيف العلوم الإنسانية وموقع علم النفس فيها, أهمية من الدرجة الثانية ضمن هذا الإطار. ونخص هنا التشاكلات والتداخلات العميقة والصميمية, ذات الطبيعة المنهجية و الابستمولوجية معها, ومن ثم العوامل التي قادتها من الحالة قبل العلمية إلى الحالة العلمية باختصار .
أخيراً, لا يعود ممكناً أن يظل السؤال قائماً ومفتوحاً بصورة ملحة بصدد علاقة الابستمولوجيا العامة التكوينية بعلم النفس. ويمثل هذا المصب الأخير لجموع الأسئلة المثارة, كما نفترض .
إن الإجابة عن المسائل السالفة ستكون غاية هذه الدراسة. ولا يفوتنا أن نشير إلى أن تناولنا لها لا يخضع لأي نظام سردي معين, بقدر ما تستبد بها استراتيجة التوليد الجدلية التي سنعتمدها هنا, من داخل نسق بياجيه المعرفي. والحال هكذا فإن اللوحة الموصوفة أعلاه لا تعدو كونها صالحة إلا للقراءة الوصفية وحسب .
أولاً : المقدمات النظرية :
بالرغم من روح الإقصاء التي أبداها أوغست كونت حيال علم النفس, وعزله إياه عن حقل علومه الوضعية في القرن التاسع عشر, لم ينقض وقت طويل, حتى تقررت أول نقلة عميقة من علم النفس الفلسفي إلى علم النفس العلمي, مع" أوليات علم النفس الفيزيائي – لفخنر 1860 " , وظهور" أوليات علم النفس الفيزيولوجي – لـوندت Wundt1874" ( ويظهر أنها لم تكن جذرية)[3] . بالقدر الذي من شأنه أن يكرّس تلك المفارقة التاريخية بعمق.
لقد ظلّ علم النفس ذلك الوليد المشبوه" غير الشرعي" للفلسفة, إذ حتى هذا الوقت ـ كما يبدو ـ لم يك قد بلغ درجة من النضج, يغدو معها قادرا على" قتل أبيه" وكان لا بد أن يمضي أكثر من مئة عام. يقضي فيها بولتيزر G. Bullitzer وكانغيلم Ganguilhem *-وحتى واطسون Watson من قبل – محاولات نزقة في نزاع دؤوب مع المسائل الناجمة عن قيمته المعرفية وطبيعته. ولعلنا في هذا نجد جانبا من التفسير للامتعاض والتحفظ الذي كان بياجيه يبديه للحقائق الفلسفية.
من جهة أولى, تعين على بياجيه مهمة تأكيد مشروعية هذه العلوم, بوصفها علوماً مستقلة, لها وحدتها النوعية( ونقصد العلوم الإنسانية عمومًا, وعلم النفس و الابستمولوجيا خصوصا) . وكان لا بدّ من أن تقوده تلك المهمة بإلحاح من جهة ثانية إلى تسويغ نشوئها وتبريره . وكذلك تفسير انتقالها من الحالة قبل العلمية إلى الحالة العلمية. وفي هذا السياق لا يبدو بياجيه مهتما بوصف الوضعية الماهوية الأولى ولا بالسؤال عن ماهية الثانية. إن ما يميّز قراءته الابستمولوجية, كما سيتضح معنا لا حقا, لا يتحدد في تعريف المعرفة كما هي, في حالتها السكونية "الستاتيكية " الناجزة والمكتملة نهائيا, بل أنه يتمثل في الطابع التطورية النشوئي الذي يعدّ معرفة المقدمات ضرورية لفهم النتائج, ويعتبر تفسير سيرورات النمو أكثر أهمية من وصف الوقائع المعرفية وإيقاعاتها إن المعرفة العلمية تطورية على الدوام, فهي تتغير من حين لآخر. وعليه فلا يمكننا أن نقرر من جهة أن للمعرفة تاريخا, ثم ننظر من جهة أخرى إلى حالتها الراهنة كما لو كانت نهائية أو ثابتة. إن الحالة الراهنة للمعرفة إنما هي لحظة في التاريخ تتغير بنفس السرعة التي تكون فيها حالة المعرفة في الماضي قد تغيرت, بل وفي حالات عديدة تتميز بسرعة أكبر, ومن ثم فأن الفكر العلمي ليس لحظيًا, إذ انه ليس حالة استاتيكية " سكونية " إنما هي سيرورة process وبتحديد أكثر, عملية بنيان وإعادة تشييد مستمرين ويصدق هذا غالبا على كل فرع من فروع البحث العلمي)[4].
لكن قبل الشروع في تقديم الأجوبة بسخاء في هذا الصدد, لا بدّ من الارتداد العودي إلى بدايات" الكلمة", فـ بياجيه الذي رغب لشخصه مهمة القيام بدور بروميثوس ونذر نفسه لانتزاع " النار الإلهية" من الفلسفة, نجده لأجل ذلك, يؤسس لقطيعة نسبية مع الحالة السابقة على علم النفس العلمي " قبل العلمية ". وبفضل ميكانيزمات معينه, يجعل من الأخيرة بؤرة يكثف فيها إدانته للفلسفة كي يمكّن علم النفس أخيرًا, من التبرؤ من الحدوس والتأملات الفلسفية, التي لازمت نشوءه. وبالنسبة إليه فأن( الحدود بين علم النفس العلمي وعلم النفس الفلسفي هي مسألة مناهج, مناهج موضوعية من جهة وتأملية أو حدسية نظرية لا أكثر من جهة أخرى)[5]. والذات … في هذا السياق التي هي بمثابة استراتيجة يؤسس عليها الفيلسوف مفاهيمه القبلية, وجملة حدوسه الأولية , السابقة على كل معرفة ـ هي التي تصادر على الحقائق والمعارف الموضوعية المحتملة بالنسبة لعلم النفس, وتحول دون خلق نوعيته العلمية ووحدته لاحقاً.
قصارى القول: إن المسألة الأكثر أهمية وتحديدا تبدو في رأي بياجيه متعلقة بدور وفعالية الذات المعرفية. والفرق الوحيد الدقيق, بين علم النفس الفلسفي والعلمي ( ناجم عن انتفاخ الأنا)[6].وتتخذ هذه المسألة صيغة مركزية أخرى على مستوى ابستمولوجيا بياجيه تتمثل في مشكلة الفهم والتفسير, التي تعنى بضرورة تجاوز العلوم الإنسانية للتأويل الفلسفي الذاتي, وصولا إلى تفسير سببي علمي .
بصفة عامة, يشير بياحيه إلى أن المشكلة المنهجية المركزية الخاصة بعلوم الإنسان, تتحدد في كون الإنسان( ذاتاً وموضوعاً) في الوقت ذاته. يقلّ معها بقدر ذلك, إمكانية تحقيق الانفتاح اللازم للموضوعية. أما على صعيد علم النفس فإننا نجد( مختلف مظاهر الوضع الدائري أو الجدلي للذات والموضوع وصعوبات الانفتاح المتمثلة خصوصا في عملية الاستبطان … إن الشخص الواحد في الاستبطان هو, في آن واحد, فاعل للمعرفة وموضوع معرفته الخاصة)[7]. هذا الوضع يعدّ الدوار العميق " للأنا " والقاع الذي تتمركز فيه الذات. ويستمر هذا المظهر مهيمناً على تاريخ المعرفة النفسية الفلسفية, ولا تتأتى علميتها إلا مشروطة بتجاوز هذا التهديد الضاغط من جانب التأويل الذاتي, والفهم الفلسفي .
إن قاعدة النشاط العلمي التي يشيّدها بياجيه لعلم النفس, مرتبطة بطبيعة نوعية المنهج الذي يتعيّن على هذا العلم الإنساني أن يتبعه, كي يصل إلى الحقيقة الموضوعية … ؟ مع محاولة تأكيده, إن تلك الأهمية العلمية لا تنبثق بالدرجة الأولى عن موضوع العلم بقدر ما تتعلق بالمنهج. إذ أنه ليس من الصعوبةـ كما يقرر بياجيهـ أن نجد حقول بحثية ومشكلات مشتركة تتطرق لها السيكلوجية الفلسفية, تدخل في حقل علم النفس العلمي .
في ضوء ذلك, يرى بياجيه أن علم النفس العلمي اليوم( يقصد دوماً بلوغ تفسيرات موضوعية, بخضوعه للقواعد العامة للتحقيق التجريبي وحتى للتقعيد Formalisation جهد المستطاع)[8] الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تحقيق اتفاق عام, تخصصي وموضوعي, بين المشتغلين به, وأن يكرّس في ذات الوقت التقاليد العلمية المجتمعية. فالمعرفة العلمية النفسية يمكنها عبر جمع النظريات والبحوث, والوقائع النفسية, في نماذج تجريبية مشخصة. ومن ثم تنظيمها في نماذج جبرية احتمالية, وحتى منطقية, وتنسيقها, يمكنها أن تحقق الحدود العلمية الممكنة والمرسومة لها.
ثانياً : علمية علم النفس :
بمقدورنا أن نصوغ الرهان الأساسي عند بياجيه في أطروحة ( تحييد الذات ) ـ بمقتضياتها المفاهيمية وملاحقها التأملية, والحدسيةـ ما أمكن عن ممارسة (الفيتو) على معارف الإنسانية . بتعبير آخر, إذا شاءت هذه العلوم ألا تظلّ بعد, مجرد معرف فلسفية قبل علمية, فعليها– والحال كذلك– أن تبدي استعداداً للتخلي عن تاريخها الفلسفي, مع شرط الانفصال عن كل نوع من( الكوجيتو) Cogitative . وهذا ما يفترض من جانب أخر, التوجه إلى المسائل المعرفية انطلاقا من الواقع, وحسب قواعد وثيقة الصلة بالتجربة الموضوعية, إلى حدّ إخضاعها للوقائع الاختيارية, ومن ثم للتنظيم والصياغة النمطية( التيبولوجية) والتنسيق, بحيث أن التجربة تصبح هنا المرجع الأول والأخير, لمصداقية المنهج العلمية. ضمن هذا السياق؛ تجدر بالأهمية الإشارة إلى سلسلة من المسائل الملموسة الخاصة بطرائق البحث في علم النفس آخذين بالحسبان, أن بياجيه يسلم بصورة أولية( أن كل فرضية سيكولوجية ضمنية يمكن – ويجب - التحقق منها)[9]تجريبياً. وقوام هذا الافتراض هو التفسير السببي الذي ينبغي أن يؤسس عليه علم النفس, حتى يغدو علمياً, وطبقا لتعريفه فأنه يمثل( انتقالا مستمرًا من البحث عن القوانين إلى الفرضيات التفسيرية) .[10]
وإجمالا فأن ما يكوِّن التفسير– في علوم الإنسان عموما, وعلم النفس خصوصا- الذي يعني البحث عن السببية, من وجهة نظر, بياجيه, يتحدّد:
أولا, في إثبات الوقائع ووصف العلاقات المتكررة, وإعداد القوانين العامة وإنشاءها, عبر ملاحظة الاطراد فيها. ويبدأ التفسير مع تنسيق تلك القوانين وتأسيس المنظومات الاستنتاجية.
ثانياً, إعداد وتنسيق القوانين إعدادا مقعّدًا Formalized في نماذج وأنساق منطقية/ رياضية, تتيح إمكانية الحصول( على القانون اللازم لتفسير القوانين التي تعتبر مُفسِّرة له …)[11].
ثالثاً, الخطوة الأخيرة التي بموجبها يتم التفسير السببي, يضيفها بياجيه بنوع من( الاستقراء الإرجاعي) … بمعنى تطبيق المسلمات والنماذج الرياضية, والأنساق المنطقية على النماذج الواقعية, بحيث تتشخص في الوقائع وتتطابق معها, التي ينبغي لها أن تكون تعبيرًا موضوعيًا مكثفاً لمجمل علاقاتها وتحولاتها .
الواقع أن الصياغة المفاهيمية السابقة للتجربة, بصرف النظر عن مقاصدها المنهجية العلمية, تطال في ذات الوقت, قضية خصوصية علم النفس, ونوعيته المعرفية ووحدة موضوعه. ذلك أن امتداد التقنيات, ومقولات العلوم الأخرى من طرف أول, إلى حقل الوقائع النفسية وتمثّل الأخيرة لها, يتيح لها إمكانية تجزئة موضوعه وتشظيته, باتجاه ابتلاعه نهائيا من قبل تلك العلوم. وهذا ما يفسر لنا جزئيا استمرار ووجود عدة اتجاهات في علم النفس.
في الطرف الآخر؛ معلوم أن الحياة النفسية تستند أصلا وتتبنْيَن على المعطى العضوي. وتنمو وتتشكل ضمن الحقل الاجتماعي.( فعندما نتحدث عن النمو النفسي يستحيل فصل البيولوجي عن الاجتماعي)[12]. ومن ثم تفصح عن نفسها في سياق وبنيات منطقية ورياضية ولغوية… الخ ولو اقتصرنا على حصر الاتجاهات الكبرى للبحث النفسي لأمكننا أن نميز – تبعاً لـبياجيه – وجهات النظر رئيسة, إرجاعية الطابع بهذا الخصوص :
I – الاتجاه العضوي( البيولوجي): الذي يحيل نمو وفاعلية الحياة العقلية والنفسية إلى محددات عضوية, ووراثية . ومع أن بياجيه نفسه من حيث هو عالم بيولوجي بالأصل, يقرّ بارتهان الحياة العقلية باستعداد بيولوجي, لا العكس. ومن جهة أخرى يحاول دراسة تكوّن السلوك الإنساني عبر تموضعه داخل سياق أعم وأوسع هو سياق الكائنات الحية)[13] فأنه يتجنب , بالرغم من ذلك , الوقوع في نسق ثنائي مغلق. ويقدم النموذج( البافلوفي) ( مثير – استجابة ) مثلا بارزا لهذا النوع من الإرجاع. وهو تفسير يهدف إلى التعبير عن علاقة ميكانيكية بين المثير الخارجي– ومصاحبه العضوي . وعوضا عن ذلك يقترح – بياجيه – نموذجا بنائيا, يتجاوز تلك الثنائية الميكانيكية, إلى علاقة جدلية تفاعلية هي في أحد قطبيها أكثر من أن تكون مجرد فعل بيولوجي محض, إنما يصبح فيه للسلوك دور تنموي معقد. وبفضل هذه البنائية السلوكية, أو الفاعلية الجدلية تنعقد العلاقة بين العضوي والخارجي, على نحو أكثر تعقيدً وتطوراً, وحتى خصوبة بحيث أن ( العضوية الحيّة, تختار محيطها وتغيّره بقدر ما تخضع له, ويصبح السلوك عاملاً هاماً للتطور نفسه)[14] . ولعل هذا الإندغام العلائقي والتفاعلي, بين المستويات الدنيا والعليا, وبالعكس , هو الذي يفضي إلى إقصاء تلك الإرجاعية البسيطة, الوحيدة الاتجاه.
وطالما أننا بصدد البحث في المشكلات الناجمة عن مقاربة البيولوجي والمعرفي وطبيعة العلاقة بينهما. فمن الجائز الاستطراد, باتجاه فض مسائل أخرى ذات صلة ويمكننا أن نظهر ذلك بنوع من الاختصار.
الملاحظة الأولى, تثير مسألة فلسفية الجذور. اعتقد بياجيه أن باستطاعته المصادرة على أصولها الفلسفية, عبر إثبات طابعها السيكوابستمولوجي تجريبياً. وتعتبر أفكار ديكارت ولايبنتز أحد مصادرها الأساسية, وعنت مع كانط بعدد من المفاهيم والمبادئ القبلية الأساسية التي اعتبرها فطرية, وسابقة على التجربة. وبالنسبة له ( فأن الفكر البشري لا يستطيع أن يحفظ شيئاً ولا أن يبني شيئاً انطلاقا من تجاربه, إذا لم يكن الدماغ موجهاً, بصورة مسبقة, للتكوين حسب قواعد وثيقة)[15] ويصوغ عالم اللسانيات التحويلية نوام تشومسكي N. Chomsky هذه الرؤية في الأطروحة التالية ما هو الشيء الذي يؤسس, في الطبيعة البشرية, إمكانية هذا الاستيعاب لنسق مخصوص من القواعد, مع الأخذنا بالحسبان كون كل كائن بشري قادر بصورة قبلية, على استيعاب أي نسق لساني؟)[16]. وبناء عليه يؤسس تشومسكي إجابته على افتراض وجود تشكيلات مسبقة وأواليات فطرية ثابتة, محددة تحديداً وراثياً وعلى نحو طبيعي تحدد القدرة البشرية على استيعاب الأنساق المعرفية, وإنشاء قواعدها النظرية, دون غيرها. إن جملة الضوابط البيولوجية, والضغوط القبلية هنا هي التي تحدد النسق المعرفي)[17] المحصل عليه .
خلافاً لذلك يثير بياجيه اعتراضا يتلخص في رفض كل بداية مطلقة, محددة بصورة قبلية في الجهاز العضوية. وبدلاً عن التحديدات والأواليات البيولوجية, التي يعدّها تشومسكي فطرية أو قبلية, يعتبرها بياجيه خارجية المنشأ, تخضع أيضا للتعديل والملائمة, ولعملية إعادة تنظيم وبناء. ويقترح بديلاً عنها يتمثل في مفهوم ( الضبط الذاتي الذي يلعب دورا أساسيا وعلى كافة المستويات)[18].
على النقيض مما سبق, تمثل النزعة الاختيارية الوجه الفلسفي الأخر للمسألة وإذا ما بدا لنا أن البحث فيها لا يتصل بشكل مباشر مع مستوى الموضوع المبحوث, ولا يستقيم مع مساره, فأنه بالنتيجة يقودنا إلى مظهر أخر من الارجاعية البسيطة التي تستبعد في تفسيرها لمسألة المعرفة كل معطى سيكولوجي .
الفرضية الأساسية التي قامت عليها هذه النزعة التجريبية بالأصل, ممثلة في فلسفة جون لوك J. Lock وديفيد هيوم D. Humeوملخصها: أن الذهن يمثل صفحة بيضاء خالية من كل تحديد أوصفات أو أفكار أولية سابقة على التجربة. وبفضل هذه التجربة الحسية يتزوّد الذهن بمعطياته النظرية وخبراته المعرفية, وانطلاقا من ذلك شرعت الوضعية المنطقية بتضمين هذا الاتجاه إضافات إشكالية عن علم اللغة والمنطق, وحاولت من خلال بحوثها, الجزم بأن( المنطق والواقع الرياضي مشتقان من علم اللغة)[19]ومرهونان بها. فحيث لا توجد لغة لا يوجد مفهوم. بتعبير آخر شاءت أن تقول: إن اللغة هي التي تخلق أنماط التفكير المنطقي وأنساقه. أما مرحلة( ما قبل اللغة) فلا تتضمن شيئا, ولا تعدو كونها أكثر من مجرد نزوع محض للتلقي.
على هذا النحو اختزلت الوضعية المنطقية, الفعالية المعرفية إلى مجرد عملية استنساخ سلبية للوقائع الخارجية, كما أن المعرفة ذاتها قلصت إلى مجرد نسخة جامدة للواقع.
صادر بياجيه في معرض رده على الوضعية المنطقية على فكرة أن المنطق ينبغي أن يعتمد على اللغة وان ينطلق منها وحاول أن يثبت أنه من الممكن أن يوجد فهم قبلي, وتفكير استدلالي من دون لغة, وأن ما يجب أن نهتم به هو الكشف عن تلك العلاقة التفاعلية الجدلية القائمة بين اللغة والفكر عند كل مستوى. انطلاقا من أن المعرفة هي فعالية بنائية( يمارسها الفرد منذ بدء نموه في تفاعله مع الوسط المحيط. فهي لا تصدر عن بنيات فطرية سابقة على التجربة, كما كان الحال في الفطرية المثالية. كما أنها لا تنشئ من مجرد تجربة اختباريه, ولا عن بنيات لغوية …)[20]. ويفترض بياجيه بهذا الخصوص أن ثمة سلوكاً منطقيا عند الأطفال حتى قبل أن تتطور اللغة لديهم. وهذا السلوك يتمظهر في تنسيقات أفعال يسميها أخطوطهScheme أي أدوات تعميم من طبيعة أخرى. ومن هنا يصبح نافلا التمسك بموقف من يقول:إن ( هذه البنيات مشتقة من اللغة)[21].
بعد هذا البحث فيما يخص بالانتقالات والتبادلات التقنية, والتشاكلات, بين المجالين البيولوجي والمعرفي, وعلى العكس من المحاولة الارجاعية, سنكون مع بياجيه, أمام أهمية قصوى يوليها للمقارنة بين أواليات المعرفي بالبيولوجي. كذلك إزاء مهمة موضعة الوظائف الخاصة بالمعرفي داخل السياق العضوي .
لقد دفعت بنا اتجاهات البحث, حتى الآن , بوضوح إلى أن المعرفة ليست محكومة سلفا بنوع من الضوابط الوراثية القبلية. كما أنها لا تردّ بصورة محددة إلى نوع من الاختيارية التي تلحّ على أن العقل يستنسخ الوقائع والأشياء المحيطة بنا, وعلى نحو انفعالي لا فاعل. خلا ذلك, فإن الأخذ بالموضوعية التجريبية في علم النفس العلمي– كما تبين– لا يعني إقصاء الذات بشكل مطلق. فالمعرفة, وضمن حدود ما نعرفه, هي جزئية من نتاج فاعلية الذات ونشاطها. وطالما الأمر كذلك؛ فكيف يمكننا التوفيق بين جملة المشكلات السابقة في ضوء العلاقة بين المعرفي والبيولوجي والتشاكل القائم بينهما .؟
بعبارة ثانية؛ يحاول بياجيه البرهان على الفرضية المركزية التي تتلخص في( أن الوظائف المعرفية تشكل عضواً مختصاً لضبط التبادلات مع الخارج, بالرغم من كونها تأخذ أدواتها من التنظيم الحيوي في أشكاله العامة)[22].
بصورة أولى ؛ يلح بياجيه على العلاقة الوثيقة بين النماذج المعرفية والنماذج العضوية الحيوية. وفي هذا السياق, يمنح نموذج الهوميوستازيا Hemeostasia , الذي يفيد بمعنى أواليات الضبط والتوازن الذاتي, دورا أساسيا على كافة المستويات, وتبرز وظيفته بصورة أساسية في الهدف المتمثل بإقصاء التوترات الناجمة عن الاتصال مع الوقائع الخارجية, واختصارها, ما دام تاريخ الكائن العضوي الفرد – يظهر كسلسلة لا نهائية من التفاعلات المفتوحة مع الوسط المحيط؛ في الاتجاه الأكثر تطوراً, وتعقيداً وتنظيماً. إن هذه التفاعلات التي يصفها بياجيه – مع الوسط المحيط, تكون محكومة في مستوياتها الدنيا بنزوع عضوي– غريزي– يميل إلى تلبية( حاجات أولية نفعية)[23]. ومن الجائز اعتبار هذه العضوية المنشأ السلبي الأول لفاعلية الذات المعرفية. ومن خلالها تتجه باستمرار نحو توسع الوسط وتملكه, عبر تمثّلهAssimilation وملائمته Accomoation و إعادة دمجه, وهذه هي أبرز ملامح التكيف البيولوجي. بيد أن الجهاز العضوي, بوصفه نسقا مرنا ومفتوحا, عند هذه اللحظة من التوازن والثبات, لا يبقى كما هو؛ بل أنه هو نفسه يخضع بصورة متنامية, للتغير والتعديل والتطور, بفعل المؤثرات والمعطيات المرتدة, وبقدر ما يتأثر بالوسط ويؤثر فيه. وهذا ما لا يبرر أية ارجاعية وحيدة الاتجاه, بل يقودنا إلى الاعتراف بوجود تأثيرات متبادلة, وأنواع من التداول والتفاعل بين مستوياتعديدة متكافلة, يمكن تسميتها عموما بـ التغذية المرتدة feed back.
قصارى القول: إن انتظام هذه العملية عن حدود معينة من الثبات والتوازن, لا يعدّ استقراراً وسكوناً مطلقاً, طالما أن النسق الجديد ينطوي كذلك, على نزوع ومحفزات مستمرة أكثر تطورا وانتظاماً, تبرز معه توترات وتصدعات جديدة, مما يعني من جديد, نشوءاً لوظائف تتصاعد بصورة متناهية وتتعقد, باتجاه إزاحة التوتر وإعادة الملائمة والدمج, وتحقيق التكيف, الهدف النهائي للموازنة.
على هذا النحو, يهدف بياجيه إلى تحقيق مصالحة بين المعرفي والبيولوجي, لا بالقفز فوق المشكلة, أو ردّ اتجاه إلى أخر بصورة خطية مبسطة, وإنما عبر تمييز وفرز التداخل الجدلي العلائقي, والإقرار بأن التجربة المعرفية, ليست تجربة صرفة, ولا معرفة محضة أبداً. بل تتضمن مع هذا وذاك ما هو بيولوجي, وعلى نحو علائقي جدلي, إنشائي لولبي .
II - الاتجاه الفيزيائي: أمعن هذا الاتجاه في تفسير الظواهر والوقائع النفسية بردّه إلى بنى ومفاهيم فيزيائية. وما يميزه هو نزوعه إلى جعل الإدراك بوجه خاص والعمليات العقلية, موضوعاً مركزياً لمعرفته. عبر إرجاعه إلى نماذج أو كليات أو صيغ Gestaltsفيزيائية. وكما يعتقد بياجيه فأننا مع سيكولوجية الغشتالت( نجد أنفسنا إزاء فيزيكالية بنيوية واضحة)[24]. مهدت الطريق إلى التأويلات البنيوية. وهذا ما يدعونا إلى تسجيل هذا الانجاز لصالح نموذجها forme الفيزيائي الذي قدمته .
أما المفهوم المبتكر الآخر الذي خرجت به مدرسة الغشتالت فهو( مفهوم المجال Field بالمعنى الذي يشير إليه المجال الكهرطيسي)[25]. و به عارضت نظرية الارتباط, التي قدمت تفسيراً مكانيكياً عن الارتباط بين أحاسيس ذرية مستقلة, ومسبقة التشكل. وأمكن لها بالتالي عبر التأكيد على مفهوم( الكلية المركبة من عناصر) من التعبير عن العلاقة الثابتة بين الإحساسات والوقائع الفيزيائية في صيغة ترابطات كلية جاهزة( مبنيَّة) وثابتة .
في وسعنا, بوجه ما؛ تلخيص الاعتراضات التي وجهها بياجيه لـ الغشتالت بما يلي:
1- إن مفهوم( الكلية المركبة من عناصر) معزولة, ليست ناجزه , وقبلية جاهزة الصنع,( بل أن الذات تقوم ببنائها من خلال تفاعله مع الوسط)[26]. وهذا يقتضي– من حيث المبدأ – تميزاً بين الإدراك والنشاط الإدراكي في رأي بياجيه .
2- إنها ليست مضبوطة ومحكومة مسبقاً بقوانين ثابتة, بل هي تخضع لعملية تحويل وتعديل, و التوازن والضبط الذاتي, تبعاً لصلاتها العلائقية مع الوقائع الخارجية المقابلة .
3- بناءً عل ما سبق؛ ( يمكن استخلاص وإيجاد قوانين تركيب وتحويل من بين العناصر والعلاقات, تأخذ بعين الاعتبار لا المعطيات الفيزيكالية وحسب, بل وحتى البيولوجيا والاجتماعية)[27], ومن وجهة نظر وظيفية . ..
III – الاتجاه السيكوسوسيولوجي: لتوضيح حقيقة الكائن– الفرد- وتفسيرها, هل يكفي أن نرده بكل ما يحتمله من حياة نفيسة وعقلية, أو حتى عضوية, إلى المجتمع..؟ بحيث يتلاشى الفردي في الاجتماعي, ودون اللجوء إلى معارف أخرى؟ أو الاستعانة بمستويات عديدة من التفسير والتعميم, مشروطة بعدد من الإجراءات المنهجية , ومفاهيم ومبادئ نظرية .. ؟
بعبارة مختصرة, ألا نستطيع أن نتساءل بصيغة موحدة: أيهما يحدّد الآخر ويقرره, الفردي أم الاجتماعي.. ؟ وتبعا لطبيعة الإجابة عن هذا السؤال نشأت الانقسامات الكلاسيكية في تاريخ الفكر السوسيولوجي – النفسي .
رفض بياجيه بدوره , أن يختزل المسألة في تلك الثنائية الارجاعية وإنما بحث عبر تجاوزها, عن سبيل ثالث يلغي التضاد القائم والمصطنع في رأيه, بين الفردي والاجتماعي. وعليه قرر أن طرح المسألة في الصيغة المحددة سابقا تبدو زائفة, وعوضا عن ذلك افترض أن المجتمع بوصفه كلاً دينامياً متحولاً ومنطوياً على تفاعلات ذات مستويات عديدة, لا يمكن أن تستقيم الأبحاث المتعلقة به, والحال هذه, مع النزعة السكونية في النظر إليه باعتباره كتلة ثابتة مكتفية بذاتها, ومزودة سلفاً بمنظومة كوابح وضغوط قسّرية وقبلية, لا تحتمل أي مظهر لنشاط الفرد( نموذج تارد Thard ودوركهايم Durkheim). أيضا وعلى النقيض من ذلك, عدُّه مكوَّناً من مجاميع كمية لممارسات ولفعاليات الأكثر فردية بذاتها( روسو J.Rousseauمثلاً).
يبقى لزاماً علينا إذاً أن نتحفظ على ذلك, لصالح الإقرار بأنه لا وجود لمنطقتين, أحدهما خاصة بالجماعة, والأخرى خاصة بالأفراد: وليس هناك سوى طريقة واحة للتنسيق بين الفعلين( أ ) و( ب ) حسب علاقات دمجية أو نظامية … الخ)[28].. داخل كلية متضايفة في ذاتها , تنطوي على الكلي ( العام ) والفردي ( الخاص ) .
إذ ذاك تبرز أولاً, مهمة تبيان منطق الاستثنائي الفردي و( صورته: الجائز, المصادفي ) – أي الصفات الفردية السيكولوجية, وكذلك الوراثية الفطرية – في العام و( صورته: العادي, الضروري ) أي عمليات التطبيع الاجتماعي, والثقافي, والتبادلات الموضوعية داخل الجماعة– وهذا ما يشهد على التفاعل التكاملي المشترك بين النفسي والعضوي والاجتماعي*
ثانياً: كشف العام( الكلي) المجرد في( الفردي) المشخص, وهذا ما يشير إلى طبيعة التفاعلات الكائنة بين الوقائع الثلاث, ويتم ذلك عبر إعادة( إنشاء نماذج منطقية أو رياضية)[29] قابلة للتقعيد الاستنباطي, ومن ثم تطبيقها على الوقائع الفردية.
ينوه بياجيه في هذا السياق إلى أن النموذج المستخدم من قبل( شتراوسStrauss ) يمثل( الاستقراء الأكثر دهشة الذي أمكن استعماله في علم إنساني تجريبي)[30] للكشف عن الأواليات العقلية اللاواعية والقبلية, التي تسبق الحياة والوقائع الاجتماعية المحسوسة, لجماعة ما أو فرد ما . وتجثم على تصرفاتهم من دون وعي منهم. وهو النموذج الذي يعكس أعم صور التفاعل والتنسيق بين النفسي والاجتماعي والعضوي… الخ , الذي يدعوه بـالبنية العامة, التي يمكن لنا في مثل هذه الحالة, أن نلجأ إلى صياغتها صياغة رياضية ومنطقية, بحيث تصلح للتفسير السوسيولوجي والسيكولوجي .
IV- قد تبين لنا أن الاتجاهات التفسيرية السابقة, عمدت إلى دراسة الظاهرة النفسية, بأن أسندتها إلى مرجعيات معرفية ومنهجية ومتعددة, خارجة عن حقل مضمونها وموضوعها, وظلّت عموماً محكومة بحدودها وشروطها العلمية.
في البداية أفسحت تلك المحاولات, المجال لإمكانية تجزئة وتبديد موضوع علم النفس, وهددت بإتلاف وحدته النوعية, والمنهجية. فحالت دون تحديد المسائل والمشكلات العلمية النوعية, مع المقتضيات المنهجية المقترنة بها لعلم النفس ))[31]بصورة دقيقة. وذاك شرط أساسي لعلمية علوم الإنسان عامة, ولعلم النفس خاصة. علاوة على ذلك, فإنها مهدت لترسيخ القطيعة والانفصال بين مختلف فروع المعرفة النفسية, وأطاحت إلى حدّ ما, بفرص تكاملها ونموها التطوري. وهذا الشرط لا يقل ضرورة وأهمية عما سبق. ويكفي للتدليل على هذه الأهمية, أن نفهم مدى التقدم الذي نجم عن الالتقاء المتوازن, والتقارب بين الاتجاهات السلوكية النشوئية وبنيوية الغشتالت .
إن التقدم الفعلي لعلم النفس العلمي– في نظر بياجيه- مرتبط بصورة رئيسية بظهور ثلاثة اتجاهات نفسية منفصلة, أكدت على جدارة وقائع وعلاقات المجال النفسي- الداخلي – باعتبارها مكونات ممتازة, قائمة بذاتها, لتشكيل وتأكيد علم نفسي مستقل, له خصوصيته المعرفية والمنهجية. بحيث أنها– بوجه عام– أقصت كل الخيارات الارجاعية البسيطة في ها الإطار, وسعت إلى دراسة الحياة النفسية انطلاقا من مضمونها الداخلي مباشرة, دون الإحالة إلى أية مرجعة أو منظومة معرفية خارجية بيولوجية أو سوسيولوجيا ….الخ
الأول: يتمثل في حركات التحليل النفسي وتبدو الفرويدية نموذجه الأمثل( مصدراً لفرضيات خصبة)[32] في تعبير بياجيه للولع بالفرضيات…
اهتم بياجيه بشكل خاص بمفهوم فرويد عن سيرورات النمو, الذي اتسم من وجهة نظره, بنزوع نشوئي تطوري*يعتبر الظاهرة النفسية نتاجا لتاريخ, تعدّ معرفة مبادئه شرطاً ضرورياً لفهم سلسلة المراحل التالية. إلا أن هذا البعد التاريخي عند فرويد, يشوهه ميلٌ إرجاعي–نفسي –غريزي – محدود بأواليات خفية مهيمنة, تقبع خلف كل سيرورات إشكال النمو وتفسيرها, وتقدم هذا النمو لا بوصفه إنشاءً مستمراً, بل( كانبساط وحيد لبعض الميول الأصلية بحيث يرجع الحاضر بفعل ذلك إلى الماضي ويُرجع مختلف أطوار النمو إلى التحول الوحيد للنقاط التي تتركز فيها الطاقة الأصلية للدوافع)[33]. (وتبقى مدى الحياة كامنة في اللاوعي في وضع غير ممفهم) وما المراحل ( الشفوية والشرجية, والنرجسية الأولية, والقضيبية والأوديبيةإلا التعبيرات المتتابعة, لـليبيدو وأحد تحول شحناتChargs طاقته من موضوع إلى آخر..) [34]
من هنا نجد بياجيه ينحاز إلى جانب أريكسون ويعبر عن قناعته بأهمية التوازن الذي أوجده الأخير بين النمو النفسي– الجنسي الفرويدي وسيرورة النمو النفسي– الاجتماعي, في صيغة يعدّها إنشائية سيكولوجية حقيقية( فالماضي يحدّد الحاضر لكن الحاضر يؤثر في الماضي, بحيث أن الماضي يؤول على ضوء الوضعية الحاضرة).[35] إذن هناك دائماً تضافر وتوافقات متنامية بين الماضي والحاضر .
الثاني: حينما قصدت المدرسة السلوكية, في صيغتها الكلاسيكية عند واطسون, تعريف علم النفس بأنه علم السلوك الذي يمكن ملاحظته ودراسته في ضوء أفعاله الصادرة, تكون قد أسهمت فعلا في انجاز استقلالية علم النفس ووحدته, عبر تحديد موضوعه ومجاله العلمي. وبينت ذلك مشروطاً بإقصاء معطيات الشعور بوصفها موضوعا للمعرفة. وعلى الرغم من ذلك فقد نحت في تفسيرها إلى الإفراط في الآلية. لهذا تعيّن على اللاحقين تدارك هذه الآلية وتخطيها, سواء بتحسين أو بتصحيح المفهوم الواطسوني عن السلوك, وإكماله ( بإبراز طبيعته التطورية)[36], وهو ما سيثيره بياجيه .
من أبرز السلوكيات التي اهتمت بالتعديل والتغيير مقابل السلوكية الكلاسيكية, نظريات هل HullوتولمانTolman وسكنرSkinner.
تستند سلوكية تولمان إلى غرض التعليم, الذي يبدو السلوك في رأيه كسلسلة من الفعاليات المترابطة التي تهدف لغاية أو هدف متوقع. وفي هذا الصدد يثير بياجيه مسألتين تخصان العلاقة بين التعلم والتطور ويتعلق الأمر الأول ( بمعرفة ما إذا كان التطور مجرد سلسلة من التعليمات أو ما إذا كان التعلم خاضعاً لما يدعوه علماء الأجنة بالكفاءة, أي بإمكان الجهاز العضوي؟ ما هو الأساسي عمليا التعلم أم التطور …؟)[37] . ويشدد بياجيه على أهمية التطور أكثر من التعلم. فالنمو بوجه عام هو أكثر من مجرد تكديس تراكمي لخبرات ومسالك فردية بذاتها تضاف بعضها إلى بعض دون إنشاء جدلي وتطوري .
ويتصل الأمر الثاني؛ كذلك بسلوكية سكنر إضافة إلى آراء تولمان, فيما يبدو أن الأول يركز على أهمية التدعيمات الخارجية المباشرة, وبعبارة تالية( فإن سكنر يلحّ على المظاهر الارتكاسية لسلوك الطفل, لا على فعاليته هو بالذات)[38]. إذ يجري وفقا لذلك تعديله تدريجيا عن طريق المماحكات المستمرة مع الوسط الخارجي .
على الرغم من إقرار بياجيه أن التعزيزات الخارجية التي تقدمها التجربة, هي شرط ضروري, إلا أنه ليس الوحيد ولا يفسّر كل شيء. وعليه لا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار أهمية التعزيزات الداخلية كذلك, المتمثلة بعوامل النضج الداخلي للجهاز العضوي والعصبي والقائمة أيضا على نمطية إنشائية تكوينية .
IIV – صار من المفيد الآن أن نأتي أخيراً على اتجاه توخى بياجيه منذ البادية تتويجه على رأس العلوم الإنسانية– الناموسية– بوصفه الممثل الأبرز لعلمية علوم الإنسان واستقلالها المعرفي– موضوعاً ونهجاً– لا هذا وحسب وإنما بفضل المكانة , التي منحته مشيئة بياجيه حتى بين العلوم الصورية المضبوطة كالرياضيات والمنطق, بوصفه حاملا لشروط الفهم والبرهان لبقية العلوم. ونقصد بذلك سيكولوجية النمو أو( علم النفس النشوئي ) التي( صارت ضرورية اليوم لفهم ابستمولوجية معظم العلوم)[39]. هذا علاوة على كونها تعدّ أوضح تعبير على استقلال علم النفس ووحدته النوعية, منهجاً وموضوعاً, راهناً ومستقبلاً.
وضمن الحدود النظرية الممكنة لأهداف البحث, نفترض أنه قد نجم عن عرضنا السابق فهم موضوعي, مطابق لحالته المعرفية الراهنة يعدّ في التحليل الأخير تحصيلاً لمعظم المشكلات والمسائل السابقة .
ويتلخص ذلك في الاستنتاج التالي ( إن علم النفس المعاصر نتاج خيار مزدوج أحد طرفيه يتم لصالح نظرية معرفية بنيوية هي حسب تعبير ليفين Lewinمنهج تحليلي للعلاقات السببية, ومنهج لبناء مفاهيم علمية, وثانيهماً لصالح المنظور التكويني)[40]. بحيث أطاح هذا الاتجاه بكل تعارض بين الفهم الذاتي للسلوك وبين التفسير الموضوعي.
ثالثاً – الابيستسمولوجية التكوينية والعلم النفسي :
من الجائز الافتراض بالقول, إن وصف ( ابيستيمولوجية علم النفس) يستدعي تميزاً لها عن الابيستمولوجية العامة. والواقع أن بياجيه يلتزم بهذا الرأي وينجز تمييزاً بين مستويين من الابيستمولوجية:
I– الأول يعني به الابيستمولوجية الخاصة بكل علم من العلوم, وقد أصبح واضحاً لحدّ الآن أن علم النفس اليوم, بعد أن استقل عن الفلسفة وفرض وحدته النوعية, منهجاً وموضوعاً, على جميع العلوم الإنسانية, بما فيها الرياضية والمنطقية وشكل ابيستيمولوجيته الخاصة صار– ضمن منظور بياجيه – قادراً على تحليل واكتشاف البنى والعلاقات التي تؤلف الذكاء والتفكير– وأيضاً على تفسير كيفية تكوّن المفاهيم ونمو المعارف ووصف بناءها. ينبغي والحال كذلك أن يُؤسَّس عليه ابيستيمولوجية عامة, سيكولوجية الأصول ذلك ( أن شروط المعرفة العلمية في نموّها تظلّ أساساً شروطاً نفسية)[41] تبعاً لاقتراح بياجيه .
II– وعليه فأن المستوى الثاني العام للابيستيمولوجيا باعتبارها خطاباً( حول أسس الخطاب العلمي والمعرفي)[42] – إذا جاز هذا التعريف – يصبح من الضروري أن يكون وثيق الصلة بمعرفة تلك الأسس السيكولوجية للمعرفة, وقواعد نموها, التي تجد السيكولوجيا في المنهج التكويني نموذجاً ملائما لدراسة نمو وتكوّن المفاهيم ونشأة المعرف العلمية. وبالمعنى الأخير نستطيع تمييز معنيين للمنهج التكويني ….
- المعنى الفردي: الضيق والمحدود بسيكولوجية النمو عند الإنسان الفرد. وهو الذي يسعى لدراسة الكيفية التي يتوصل فيها الفرد إلى تكوين وبناء المفاهيم العلمية, عبر المراحل الأساسية وطبقاً لبنائها السيكولوجي.
- المعنى العام: ونعني به التكوين بأوسع وأشمل معانيه. وهو الذي ينسحب على حركة تاريخ ونمو المعارف الإنسانية وتكون علومها. وهو ينطوي على تضايف عام وتآزر للميتودلوجيات التكوينية الخاصة بكل علم من العلوم يأخذ بعين الاعتبار العوامل التاريخية والسوسيولوجية والسيكولوجية والفردية … الخ وانتقالاتها البنيوية.
تأسيساً على ذلك يتابع بياجيه المضي في هذا المجال بهدف الوصول إلى وضع رؤية شاملة وعامة, عن نشوء وتطور المعارف الإنسانية, وتفسير نموها وحالات انتقالها, عبر الاستفادة من المعطيات والمسائل التي تقدمها الابيستمولوجية الخاصة. عندئذ تسمى بـ ( الابيستمولوجية التكوينية العامة) التي تشرع – وفقاً لـبياجيه – في( توضيح المعرفة, والمعرفة العلمية بصفة خاصة. وذلك استنادا إلى تاريخها وتكوينها الاجتماعي, والى الأصول السيكولوجية للأفكار والعمليات التي تعتمد عليها بصفة خاصة..)[43]
III – تستند الابيستمولوجية التكوينية على فرضية مركزية, تقيم تناظراً بين مسار نمو وتطور المعارف, وبنياتها السيكولوجية عند الإنسان الفرد, والمسار الذي تتخذه سيرورات تكوّن المعرفة البشرية, وحالات انتقالها ونموها. وفي مثل هذه الحالة تستدعي الابيستمولوجية التكوينية تأسيس التحليل الابيستيمولوجي على البناء السيكولوجي للمعارف, وإقامة تكامل وتعاون خاص بينهما .
ويرى بياجيه( أن المعطيات السيكولوجية ليست مجرد عامل مساعد, وإنما هي أمر لا غنى عنه. والواقع أن جميع الابيستيمولوجيين يشيرون إلى العوامل السيكولوجية في تحليلاتهم, ولكن القسم الأعظم من استشهاداتهم بعلم النفس, تأملية لا تستند إلى البحث السيكولوجي)[44]. وعليه يقرر أن( المبدأ الأول الذي تأخذ به الابيستمولوجية التكوينية هو أن تتعامل مع السيكولوجيا تعاملاً جذريا)[45]…
عند هذه العتبة من التحليل ؛ أمكن لـ بياجيه أن يحقق أعمق هدف للابيستيمولوجية, يتمثل في تضايف جدلي مستمر- وبشكل لولبي – بين العام المعرفي والفردي الخاص. وذلك بردّ الابيستيمولوجي العام إلى السيكولوجي الفردي. حيث ينعكس الأول ويستعيد تاريخه المشخص في الأخير, في الوقت الذي يردّ السيكولوجي وتعييناته من خلال وعبر الابيستيمولوجي. علماً أن السيكولوجي يصبح في لحظة معينة عاماً يعبر عن جوهر وطبيعة المعرفة الإنسانية .
IV – إن أول فكرة شاملة عينية بالمعنى الدقيق, هي حركة التكوين وهو ما يشكل سياق المعرفة عند بياجيه, التي تتبنين في مراحل متنامية تتجه نحو التعقيد والارتقاء. وهذه العملية هي ضرورية لا تخضع للاتفاق– كما نفهم من بياجيه – وتعكس على صعيد الابيستمولوجية طابعها الموضوعي في حين أنها على الصعيد السيكولوجي لها طابع ذاتي نسبياً, يحتمل عنصراً من المصادفة والفردية .
خلاصة القول, ثمة سؤال أساسي ينشأ في هذا السياق, ويتعلق بالبداية الأولى التي ينطلق منها بياجيه على مستوى المعرفة التكوينية. طالما أن موضوع الابيستمولوجية هي وصف سيرورات المعرفة ونموها, فإن بياجيه يرفض بهذا الاعتبار أية بداية مطلقة, تبدأ منها المعرفة, أو أية حالة سكونية لحظية تنتهي إليها (فلا وجود في الابيستمولوجية التكوينية, ولا في علم النفس التطوري لأية بداية مطلقة)[46].. بل تؤكدان على الدوام على مبدأ التطور والنمو في المعرفة. إذ لا وجود إلا لتحولٍ متنامٍ وإعادة تنظيم مستمرة تنطوي على تضافر عوامل سيكولوجية واجتماعية. وهذا المبدأ ينسحب على كل حقول المعرفة الإنسانية. يقول إن الابيستمولوجية التكوينية إنما تتعامل مع كل صورة المعرفة ومعناها) ويصوغ المسألة في العبارة التالية : بأي معنى يمضي العقل الإنساني من حالة تكون فيها المعرفة أقل إلى حالة تكون المعرفة أعلى ؟ مضيفاً إن مشكلتنا, من وجهة نظر السيكولوجية, ومن وجهة نظر الابيستمولوجية التكوينية, هي أن نوضح كيف يتم الانتقال من معرفة ذات مستوى أدنى إلى معرفة ذات مستوى أعلى)[47].
إن نمو البنى المعرفية وتكونها, ووصف تحولاتها الدائمة وسير انتقالها في سياق نشوئي, تراكمي, تراكبي دون انقطاع مطلق, أو تصدع بين البنى, وإنما في تضايف جدلي متواصل, وتفسير كل ذلك, هو ما يمكن تسميته بالابيستمولوجية التكوينية بالمعنى التطوري النشوئي الدقيق وهي تكشف من خلال وصف مراتب ومراحل نشوء المعارف وتكونها, عن درجات ومستويات المعرفة الإنسانية العلمية, انتهاء بمرحلة الأفكار والمفاهيم الخالصة. بحيث أن المعرفة عند هذه اللحظة تصبح موضوعا لذاتها وقد أمست تكوينية سيكولوجية .مولوجيا التكوينية
|