(تابع لموضوع: نموذج البنية على طبقات)
نموذج لغة البرمجة بالموضوع
لقد ساهم الذكاء الاصطناعي([1]) بالإضافة إلى هندسة البرمجيات([2]) في تطوير لغات البرمجة بطبقات المواضيع classes objets، ويعود مرجعها التاريخي، حسب Desfray (1994: 13)، إلى برنامج SIMULA (1967) وبرنامج SMALLTALK (1977) الذي سجل بداية انتشار تقنية البرمجة بالموضوع.
وينطلق هذا النموذج من فكرة بنينة تطبيق معلومياتي معين بواسطة مفاهيم من مثل القوالب، والكبسلة([3])، والأنماط… ويرتكز على عدد محدود من الإجراءات التي هي عبارة عن طبقات تعتبر التمثيل المعلومياتي للمفهوم (ويمكن أن تكون صفحة أو جدولا أو ملفا أو شاشة…) وتتأسس على المواضيع، والإرث، والاقتضاء instanciation، والملامح، والمناهج، وتمرير الرسالات.
وترتبط طبقات المواضيع بمجوعة من العلاقات التي تسمى "بالعلاقات الإرثية" (الرسم 12) التي تحدد الفئات التحتية للمفاهيم. ويعني الإرث انتقال مجموعة من الخصائص من فئة معينة إلى فئة تحتية تنتمي إليها. فطبقة "رجل" ترث مثلا من طبقة "إنسان" مجموعة من الخصائص، وطبقة "إنسان" ترث بدورها خصائص طبقة "ثدييات". وإذا كان هذا النموذج (باعتباره تطبيقا معلومياتيا) يحدد جملة المفاهيم التي سيشملها التطبيق، فإن المواضيع هي التي تمثل للطبقات. فـ"محمد" يمثل "رجل"، وهي عناصر مستقلة ونشيطة تُكبسِل معطياتها وتتفاعل مع الرسالات بشكل خاص. ونشير في هذا السياق إلى أن لهذه الطبقات مناهج وملامح: فالمناهج تحدد الأفعال التي يمكن أن تنجزها مقتضيات الطبقات. مثلا، يمكن أن يكون لطبقة "رجل" مناهج "يأكل" و"يسير"… أما الملامح فتحدد خصائص مقتضيات الطبقة، مثلا، يمكن أن يكون لطبقة رجل ملامح "الطول" و"السن"…
ويعتبر الإرث، بهذا المعنى، من الخصائص الأكثر أهمية في نموذج البرمجة بالمواضيع، لأنه يسمح بتحديد طبقة أدنى، من خلال تحديد خصائصها مقارنة مع الطبقة-الأم. فمن خلال طبقة "إنسان" وبواسطة مناهج "يأكل" و"يسير" و"يتكلم"، والملامح "طول" و"سن"، يكفي أن نصرح أن طبقة "رجل" ترث من "إنسان" لكي تحتوي على كل خصائص طبقة "إنسان". بعد ذلك يمكن أن نضيف ملامح جديدة لطبقة "إنسان"، كما يمكن أن نضيف مناهج جديدة مثل المنهج "يتكلم"لاستعمال "صوت مجلجل" مثلا…
إن أهم خلاصة يمكن أن نسجلها في هذا الباب هي أن البرمجة بالمواضيع تغير مقاربة النمذجة الكلاسية من خلال صهر المعطيات والمعالجات في إطار واحد يشتغل ككل، وبذلك يتم تجاوز التمييز الكلاسيكي بين نماذج المعطيات ونماذج البنيات.
تسمح إذن اللغات الاصطناعية لبرامج الذكاء الاصطناعي ببناء نموذج للعالم الحقيقي داخل الحاسوب عن طريق التعبير الرمزي. وهي في هذا تحاكي اللغات الطبيعية التي يمثل استعمال الرموز الصوتية أهم خصوصياتها للتعبير عن الأشياء. من هنا فالرمزية هي ما يميز الفكر الإنساني عامة، لأنه يستطيع أن يعبر عن وسطه، وأحواله، ومشاعره بجملة من الرموز. وهي خاصية أخرى تتميز بها برامج الذكاء الاصطناعي، لأنها تعمل أساسا بواسطة رموز غير رقمية، وتختلف في ذلك عن باقي برامج الحاسوب الكلاسيكية التي فشلت في تطوير هذا الميدان.
(يتبع بموضوع: المعرفة في الذكاء الاصطناعي)
[1] الذي يهدف إلى نمذجة المعارف وسيرورات التفكير عبر ترجمة السلوك الإنساني إلى رموز بالارتكاز على "المفهوم" الذي يشكل الوحدة الإنسانية لتمثل المعارف.
[2] التي تهدف إلى إنتاج برامج معلومياتية ناجعة.
[3] نلاحظ كيف استفاد Fodor من هذه الأفكار في أطروحاته القالبية التي طرحها سنة 1983، أي بعد 16 سنة على ظهور هذه البرمجة بالموضوع.