1) أهمية الوقت الحر وكيفية استغلاله لتنشئة الأطفال:
من المفيد الإشارة إلى أن مصير المدرسة مرتبط بالتغيرات المجتمعية وما تفرزه هذه الأخيرة من علاقات تآثر بين العمل والوقت الحر؛ غير أن الوقت الحر يوفر ظروفا أيسر لإمكانية الاستمتاع والحميمية وتحقيق الذات بعيدا عن كل أنواع الإكراه وأشكاله. والمدرسة في الفضاء العربي (منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا الشمالية) باستدامتها لأنماط التربية والتعليم المتقادمة والموروثة عن العصر الطباعي في وقت أصبحت فيه الصورة والمعلوميات تحتل كل ثنايا الحياة اليومية، ما زالت تقدم للأطفال والشباب تكوينا غير مؤهلٍ لسوق الشغل ولمتطلبات المقاولة الجديدة، كما أنها بمضمون برامجها وبيداغوجيتها لا تساعده على الاستفادة الجيدة من الأنشطة الترويحية التي بدأت تنافس المدرسة وتدخل في تعارض مع أهدافها التربوية في غياب تأهيل عام للمؤسسات التنشيئية التي أفرزها المجتمع (الأسرة، الشارع، دار الشباب، الأندية، الجمعيات، الخ.).
وتتمثل أهمية الوقت الحر من هذه الزاوية في أن هذا الوقت أصبح حقا من حقوق الإنسان الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية:
أ- من حيث أن لكل إنسان (بما فيه الطفل) الحق في وقت يستعمله بحسب رغبته الشخصية في تجديد طاقاته العقلية والعضلية وتفريغ مختلف التوترات والإكراهات التي تعترضه أثناء القيام بالواجبات والفروض التي يستوجب عليه القيام بها خلال وقت عمله. وهذا الحق يختلف باختلاف مراحل العمر ونوعية العمل. فالأطفال والشباب مثلا خلال مرحلة تمدرسهم يقدم لهم المجتمع ميزانية وقت حر أكبر تساعدهم على الاندماج في الحياة المجتمعية؛ أما الراشدون فيحصلون على تقاعد بعد فترة عمل تحددها قوانين الشغل الجاري بها العمل في البلاد، تشكل وقتا حرا مستحقا. وما بين مرحلتي التمدرس والتقاعد هناك أوقات حرة يومية وأسبوعية وسنوية تقننها أنظمة الشغل في كل بلد.
ب- ويختلف هذا الحق باختلاف النظام المجتمعي لكل بلد؛ حيث تشكل الأعياد والمناسبات الطقوسية في بعض البلدان إلى جانب المناسبات الوطنية فرصا للتعطل عن العمل. بينما لا تعترف بعض الأنظمة إلا بالمناسبات الوطنية وأخرى مدنية ... حسب النظام السوسيوسياسي الذي تقوم عليه الدولة.
ج- وعلى مستوى الممارسات الثقافية يشكل الوقت الحر بأنشطته مؤشرا من مؤشرات التنمية الثقافية وممارسة الحقوق الثقافية؛ حيث لا يقاس مستوى التنمية في المجتمع بمدى تواجد البنيات والتجهيزات الأساسية وجودة الخدمات الترويحية وتنوعها فقط بل أيضا بمدى الولوج إلى هذه الخدمات ودمقرطة استهلاكها واستجابتها لرغبات وانتظارات وحاجيات المواطنين على اختلاف أعمارهم وجنسهم وثقافتهم ومستواهم التعليمي والسوسيواقتصادي.
د- وتشكل أنشطة الوقت الحر فرصة للاستهلاك والمساهمة في الرواج الاقتصادي عبر خلق مناصب شغل (المنشطون، الفنانون، العاملون في مجال الخدمات بالمقاهي والأندية والمكتبات وصالات العرض بمختلف أنواعها والمرافق السياحية...) إضافة إلى خلق أذواق استهلاكية وأنماط عيش وأساليب حياة تشكل مؤشرا من مؤشرات الرفاه الاجتماعي وتساهم في تقوية الروابط الاجتماعية وهيكلة البناء الاجتماعي.
ولهذا أصبحت كل الدول والمجتمعات مطالبة ببلورة سياسة ترويحية تشكل ركنا من أركان سياسة البلاد من جهة، كما أن قطاع الوقت الحر أصبح قطاعا وظيفيا سواء من حيث دوره المتعاظم في الاقتصاد الوطني أو من حيث توظيفه في تنشئة مواطنة تشكل الطفولة أهم المعنيين بها من جهة أخرى.
وقد خضع الوقت الحر[i] لتطورات مهمة من حيث طبيعته موازاة مع التحولات المجتمعية؛ ذلك أن الحضارة المعاصرة أصبحت حضارة تقوم على الترفيه إلا أن الأنشطة الترفيهية التي عادة ما تعتبر أنشطة ثانوية بدأت تفسح المجال أمام أنشطة يصعب اعتبارها ترفيها مثل الأشغال اليدوية والترميم والتكوين الذاتي والسياحة … وهكذا بدأ المرور من منطق النشاط إلى المنطق الزمني الذي أخذ صفة الوقت الحر مقابل وقت العمل. إن ظهور الوقت الحر، والذي ينعت غالبا بوقت فراغ في فضائنا العربي(ويرد استعماله غالبا بصيغة الجمع : أوقات الفراغ)، يعتبر مكسبا حضاريا من مكتسبات الثورة الصناعية. غير أن الخلط الحاصل بين وقت ربحه الأجير بفضل بيعه لطاقته العضلية و/أو الفكرية من خلال وضع وقته رهن المؤسسة حسب قوانين الشغل الجاري بها العمل وبين وقت دون نشاط (حالة البطالة مثلا) ينم عن أزمة في تمثل الوقت إذ أن تمثل الوقت لا ينفصل عن النظام الاجتماعي ولا عن النظام الذهني (أو ما يسمى بالذهنية). صحيح أن الثقافة العربية الإسلامية تشجع على الإقبال على متع الحياة لكن باعتدال، كما أنها متفائلة بالمستقبل. غير أننا نلاحظ أن عددا من الحركات الاجتماعية ثقافية كانت أو غيرهاتأخذ لبوسا دينيا تدعو إلى العودة إلى الماضي في إطار ردة أمام الحداثة. وهي أزمة يمكن النظر إليها في إطار صعوبة تَمَثّلِ زمن مؤسس على الحداثة. إنها ليست فقط أزمة في الآمال التي يمكن ارتسامها في المستقبل ولكنها تبدو كأزمة في تصور فكرة المستقبل. ويتجلى ذلك في عدد من التصورات ذات الطبيعة المهدوية.
وقد غير الوقت الحرمن طبيعة الممارسات الترفيهيةوساعد على تنوعها[ii]. فبغض النظر عن وظائفه النفسية والاجتماعية والاقتصادية، فإن الوظيفة الثقافية تعتبر حاسمة بفعل تأثيرها في التشكل الاجتماعي. وقد ظهرت في الفضاء العربي مؤسسات جديدة تعود غالبيتها إلى المؤسسات التي ورثتها المجتمعات العربية عن المرحلة الاستعمارية أو أدخلتها الدولة في إطار لحاقها بركب الحضارة المعاصرة. كما ظهرت أنشطة جديدة مثل الرياضات على سبيل المثال لا الحصروالتي دخلت إلى المجتمع العربي عن طريق الغرب من حيث أنظمة تدبيرها رغم ما يمكن أن يقال عن أصولها التاريخية العربية أو المحلية. وقد بدأت الرياضة العربية – على سبيل المثال في مجال الأنشطة الترويحية - تنتقل من طور الهواية إلى طور الاحتراف كما أصبح لها حضور مؤثر في المسابقات الدولية محققة إنجازات أدخلت المجتمع العربي إلى العالمية. وهذا ما سمح ببروز فاعلين اجتماعيين جدد في صياغة الوجدان العربي. وقد أصبح الترفيه في هذا السياق ذا "قيمة معرفية"، كما أصبحت الأنشطة الترويحية تقوم على المهننة والاختصاص إضافة إلى التحول الموازي الذي شهدته التربية والتي أصبحت ضمنها أنشطة اللعب والترفيه أنشطة تعليمية أو شبه تعليمية، وتقوم على تمثلات بيداغوجية مثلها في ذلك مثل باقي عمليات التعلم الأخرى، وهذا ما جعل الدعاوى ترتفع لإعادة النظر في الأدوار التقليدية للمؤسسة التعليمية وفي ابتكار وسائل جديدة لتداول المعرفة والولوج إليها.يضاف إلى هذا أن أهم تحول فرضته العولمة هو نشوء "مجتمع المعرفة". مجتمع تقوم فيه السلطة على المعرفة باعتبار أن هذه السلطة المعرفية هي أرقى أشكال السلطة التي ابتكرها الإنسان عبر تاريخه الكوني لأنها سلطة تعيد إنتاج نفسها وتقوم على إعمال الفكر وعلى الإبداع والابتكار. فمع الثورة المعلومياتية والتكنولوجية تسارعت وتيرة تدوال المعلومات وأصبحت الحدود مخترقة؛ حيث أن المشاهد العربي مثلا قد تحرر من صراعات الأنظمة بفعل الفضائيات التي خلقت عالما عربيا افتراضيا. كما أن المواطن العربي الذي يعيش في المهجر أصبح يرتب حياته الثقافية حسب إيقاع الفضائيات العربية التي يلتقطها، مما سمح له بأنسنة معيشه اليومي وحرره إلى حد ما من الهيمنة الإعلامية للغرب. مقابل هذا الوضع نجد المواطن العربي يتملص من سلطة الإعلام القطري ليختار بكل حرية برامجه في فضائيات أخرى عربية و/أوأجنبية. هذا التنقل الحر للعيون العربية لم يرافقه تنقل حر للمواطن العربي في فضائه الجيوثقافي، فالحدود ما زالت قائمة، والتبادلات ضعيفة ومتقلبة مقارنة مع العلاقات مع الغرب. لقد اطلع المشاهد العربي على تنوع وثراء الثقافة والإبداع العربيين كما تقدمهما الفضائيات رغم ما يمكن أن يقال عن القنوات القطرية الرسمية أو العمومية. غير أن هذا الانفتاح في المجال السمعي البصري الذي وفرته الثورة الإعلامية والتكنولوجية يبقى غير مكتمل ما دامت سوق الإنتاجات العربية تخضع لمنطق الربح وتهيمن عليها إنتاجات تعمل على مناولة أو إشباع نزوات المشاهد العربي الأولية في غياب فضائيات للمعرفة والعلم إلى جانب انتشار الأمية.
من خلال هذه الأمثلة يمكن القول بأن الطلب على أنشطة الوقت الحر أصبح يشكل جزءا مهما من مؤشرات جودة الحياة. وهذا يتطلب توسيع مفهوم السياسة الثقافية بعيدا عن هيمنة ثقافة رسمية، ذلك أنتوفير تجهيزات مهما كان مستواها من مركبات ثقافية أو وسائل نشر المعارف والمعلومات من وسائط مختلفة ليست وحدها كفيلة بضمان ثقافة وتوفير جودة، لابد من طرح السؤال فيما يتعلق بهذه السياسة الثقافية حول المضمون و"المادة الثقافية"التي تروجها هذه السياسة أو تشجعها وتدعو لها أو تنشر من خلال هذه المؤسسات والتجهيزات والوسائط، كما لا ننسى أن نطرح في هذا الصدد سؤال الكلفة-المنفعة وكذا الكلفة-الجودة. وطرح هذه الأسئلة مشروع على اعتبار أن المضمون (أو البضاعة الثقافية) المروج له ليس محايدا ولا جودة المؤسسات والتجهيزات والوسائط ضامنة وحدها لخلق وتكريس جودة لا تضمن أو توفر هذه السياسة مقومات إنتاجها. فالأمر لا يتعلق ببساطة بتلبية رغبة الجمهور أو حرية التعبير … الخ فقط. هذا النوع من التوجهات في وضع سياسة ثقافية نعتقد أن مدخله يقوم على توفير ما يمكن أن أسميه "بحالة جاذبية ثقافية" داخل المجتمع حتى لا تبقى الثقافة أو تصبح تقليعة جوفاء سواء كترف أو كحق للمواطن فقط بل أن ينظر إليها كشرط للحياة على قدم المساواة مع حرية الاستثمار وأيضا الديموقراطية وذلك حتى لا يسقط المجتمع في سيرورة "اللاتثقيف" أو التسطيح الثقافي. في هذا الصدد، يمكن القول أن الديموقراطية الثقافية تقتضي إعادة الاعتبار "للمادة الثقافية" بغض النظر عن العلامة وخارج نسق الهيمنة على الحقل الثقافي بوسائل ليست من طينة الممارسة الثقافية. ويؤكد بورديو[iii]على السحر الذي يمارسه الإمضاء (أو العلامة) والذي يقوم من خلاله المتحكمون في الحقل بوضع مواد (أو خلقها) على اعتبار أنها راقية، ذلك أنها لا تكتسي قيمتها إلا من العلامة أساسا.
فالدور التنشيئي لأنشطة الوقت الحر بالنسبة للطفل ( وللراشد أيضا ) يبرز من خلال خصائص هذه الأنشطة الترويحية:
× خاصية التحرر: حيث يمنح الممارس حق اختيار نوع النشاط الذي يرغب فيه بشكل حر. فالممارس متحرر في اختياراته من كل إكراه أو توجيه.
× خاصية اللانفعية: إذ يختار الممارس النشاط بغض النظر عن نفعيته، بمعنى أن النفعية المباشرة ليست عاملا رئيسيا وأساسيا في اختيار النشاط الممارس.
× خاصية المتعة: فعبرها يتم البحث عن تحقيق متعة من خلال ممارسة النشاط، متعة مرغوبة و/أو منتظرة في حد ذاتها.
× خاصية الشخصية: وتتمثل في أن الشخص يختار النشاط لتحقيق ذاته ويستمتع به كاختيار شخصي بعيدا عن أي توجيه أو إكراه.
ومن منظور سوسيولوجيا الوقت الحر، لا يمكن الحديث عن أنشطة وقت حر إذا لم تتوافر فيها هذه الخصائص مجتمعة وإلا فإن الأمر قد يتعلق بشبه وقت حر أو وقت عمل إضافي. ونستنتج من هذا أن هذه الأنشطة الترويحية هي جزء من وقت اللاعمل. ومن نافلة القول الإشارة إلى أنها تحقق الوظائف التالية لدى ممارسها بشكل مندمج أو على شكل أسبقيات مختارة دون أن تنتفي الوظائف الأخرى التي تصبح ثانوية أو عرضية وغير مباشرة بحسب سلم الأولويات:
- وظائف سوسيونفسية: كالاسترخاء، والترفيه والترويح، وتنمية المهارات والقدرات وصقل المواهب ...
- وظائف اجتماعية: التنشئة، تحقيق الذات وتجاوز الطاقات عبر التنفيس (حالات الفوز، محاكاة الأبطال، الانتماء الرمزي من خلال ممارسة النشاط ...).
- الوظيفة العلاجية: من خلال تفريغ التوترات وتجديد الطاقات النفسية والعضلية.
وهناك وظيفة خارجية لأنشطة الترويح تتمثل في الوظيفة الاقتصادية سواء من حيث كون هذه الأنشطة مجال استثمار مهم أو أيضا من حيث الاستهلاك عبر الإقبال عليها؛ حيث أصبح يعبر عن الرياضة مثلا بأنها مجال استثمار بامتياز تحولت معه فرق كرة القدم إلى مقاولات تتداول أسهمها في البورصة ناهيك عن سوق المعدات واللوازم الرياضية ...
من خلال هذا الاستعراض العام لطبيعة الوقت الحر وعلاقته بوقت العمل[iv]، وكذلك لدوره في العملية التنشيئية عبر تحويل الفرد من كائن حي إلى كائن اجتماعي؛ نستطيع أن نقول بأن مسألة تعارض أنشطة الوقت الحر مع الأنشطة المدرسية ليست مسألة مطلقة وإنما هي ناتجة عن سوء توظيف لميزانية الوقت الحر وعن طبيعة الأنشطة الترويحية الممارسة والتي يقترحها المحيط السوسيوثقافي للمدرسة ناهيك عن انعدام آليات توافق وتكامل بين المؤسسات التنشيئية والمدرسة وأطر كفيلة بابتكار هذه الآليات وبلورة استراتيجيات تنشيطية تعمل على اندماج المدرسة في محيطها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي.
في إطار الإجابة عن هذه الإشكالية الكبرى، ظهرت بالمغرب أندية للأطفال إلى جانب مديرية الأنشطة السوسيوتربوية والثقافية التابعة لوزارة التربية الوطنية. ويوجد بهذه المديرية قسمان: قسم الأنشطة السوسيوتربوية الذي يسهر على تسيير جمعية التعاون المدرسي العاملة بالسلك الأول من التعليم الأساسي، وقسم للأنشطة الثقافية ويقوم بتخطيط وبرمجة هذه الأنشطة في كل من السلك الثاني للتعليم الأساسي وكذلك في التعليم الثانوي. ترى كيف كانت هذه التجربة الخاصة بأندية الأطفال ؟
1. عبد الفتاح الزين.- قضايا الوقت الحر والتنشيط السوسيوثقافي بالمغرب. منشورات قافلة الكتاب،1999، 158ص.
2. عبد الفتاح الزين .- "التحولات العالمية والممارسات الثقافية: المعرفة والرهانات". دراسة نشرت في ثلاث حلقات بشرفات (ملحق الثقافي لجريدة عمان) أعداد: 78 / 26 مايو و79 / 2 يونيو و80 / 9 يونيو سنة 2004.
3. P. Bourdieu .- “Haute culture et Haute couture”, In Question de sociologie. Ceres, Tunis, 1993.
4. من المفيد التذكير بأن الوقت ينقسم إلى وقت عمل ووقت لاعمل. ويتضمن هذا الأخير الأوقات المرتبطة بالأنشطة الاجتماعية والثقافية وغيرها. وقد تكون هذه الأنشطة مرتبطة بإكراهات ما إما باعتبارها فروضا اجتماعية كعيادة مريض أو تزاور طقوسي ... كما أنها قد تكون جزءا من الوقت الحر متى كانت غير مرتبطة بإكراهات ما وأن ممارستها نتيجة اختيار شخصي حر.