عرض مشاركة واحدة
قديم 08-03-2009, 10:51 AM   المشاركة رقم: 4 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
hamza_fes
اللقب:

مشرف عام 


البيانات
التسجيل: Dec 2007
العضوية: 30
المشاركات: 228 [+]
بمعدل : 0.15 يوميا
اخر زياره : [+]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
hamza_fes غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : hamza_fes المنتدى : بنك الأفكار لتطوير البحث السيكولوجي
افتراضي رد: "50 سنة من التنمية البشرية بالمغرب وآفاق سنة 2025

المغرب في مفترق الطرق

*يوجد المغرب في مفترق الطرق. فهو أمام وضع تاريخي متسم بتعدد الاختيارات والمشاريع الكبرى، التي تنتظم، في نهاية المطاف، حول خيارين رئيسيين ومتعارضين : فمن ناحية، يمكن للبلاد أن تنخرط بقوة في دينامية رائدة للتجديد والتنمية، عبر استثمار الفرص المتاحة أمامه ومن خلال جعل سيرورة الإصلاح سيرورة دائمة وبنيوية. ومن ناحية أخرى، فالبحث عن حلول لبؤر المستقبل المعيقة للتنمية، يمكن أن يصطدم بتأجيل لا نهاية له.

*وهذان هما الطريقان المتاحان اليوم أمام المغرب، في أفق العقدين القادمين : طريق تراجعي، يدفع إلى التراخي والإحباط، في مقابل طريق مدعم برؤية طموحة وإرادية، في مستوى مؤهلات الشعب المغربي.

*ومن هذا المنطلق، فإن نجاح الأجيال القادمة وتوطيد المكتسبات المتعلقة بالتنمية البشرية، يمران بالضرورة، عبر الانخراط في رؤية إرادية تتأسس على تجاوز بؤر المستقبل ؛ وهي رؤية المغرب المأمول والممكن.

•الطريق التراجعي لمغرب 2025
إن المغرب إذا لم يبادر من الآن إلى العمل على تجاوز مواطن عجزه وعوائقه، مع تحويل بؤر المستقبل، المشار إليها سابقا، إلى رافعات حقيقية للتنمية، فإنه سيكون في مواجهة سيناريو تراجعي ؛ وهو سيناريو يظل محتملا، إذا لم تصبح الإصلاحات الجارية متينة وراسخة، وإذا لم تصل إلى تحقيق أهدافها أو إذا أضحت محل مزايدات قابلة لإضعاف الانخراط الجماعي في أوراشها، ولكن أيضا إذا لم تكن البلاد في مستوى التكيف بذكاء مع الرهانات الجديدة والتغيرات التي يشهدها محيطها الدولي.
إن لوحة السيناريو التراجعي، غير المقبولة لمغرب 2025 تتبدى كما يلي :

*ازدياد حدة النواقص المرتبطة بنظام الحكامة، التي يمكن أن تعيق التطور الديموقراطي، وأن تؤثر سلبيا على سيرورة التنمية ؛
*تعليم ابتدائي معمم، غير أنه سيكون في مواجهة مشاكل الجودة والمردودية. أما التعليم الثانوي والإعدادي، فإنهما سيستمران في إقصاء أكثر من ثلثي الأعداد المتوقعة للتلاميذ، مع معدل للأمية تبلغ نسبته%20، وموارد بشرية أقل تأهيلا، في مواجهة تحديات المنافسة ؛
*ولوج غير منصف للعلاجات نتيجة الفقر وتهميش شرائح واسعة من الساكنة، بالرغم من الجهود المتوقع بذلها على مستوى التغطية الصحية، وتراجع معدلات وفيات الأمهات والأطفال، وكذا بعض الأمراض المعدية والحالات المرضية حديثة الظهور ) السيدا، جنون البقر، أنفلوانزا الطيور....(التي ستشكل خطرا مؤكدا سيهدد عددا كبيرا من الساكنة؛
*اقتصاد أقل تنافسية يتسم بوتيرة نمو غير كافية، مسببا في معدل بطالة يتجاوز %20، مع تعمق وتوسع لظاهرة الفقر والتهميش والإقصاء ؛
*نذرة تدريجية في الموارد الطبيعية من الممكن أن تتسارع، تحت تأثير ضغط ديموغرافي مرتفع باطراد، ونتيجة أنماط غير ملائمة للتدبير. وسيعرف المغرب أزمة مائية مع تقلص في التغطية النباتية، يمكن أن تتراجع إلى 600 ألف هكتار من الغابات ؛
*ضعف القطاع الفلاحي الذي من بين ما سيكون له تأثير قوي عليه إكراهات العولمة، مما سيضاعف بقوة الهجرة القروية، وسيزيد من حدة التنمية العشوائية للمدن ولضواحيها، كما سيمارس ضغطا قويا على سوق الشغل.
ويمكن لتضافر هذه السلسلة من العوامل أن تدفع بالبلاد نحو دائرة مغلقة من التراجع والانكماش، وأن تقودها إلى وضعية غير متحكم فيها.

*هذا السيناريو الغير المقبول يجب أن يلفت اهتمام المسؤولين والنخب ومجموع النسيج الاجتماعي للأمة ؛ ومن ثم، فإذا كان هناك بديل ممكن لتحقيق التقدم، فإن تجسيده على أرض الواقع لا ينحصر في مجرد الإعلان عنه، لأنه يقتضي طموحا وحسما والتزاما.

•المغرب الممكن والمؤمول
إن تصور مستقبل مأمول يتأسس على بذور التغيير الملاحظة وعلى مستلزمات التنمية المنشودة. ويتمفصل هذا التصور حول توطيد المسار الديموقراطي والتدبير الناجح للامركزية، والتقليص من الفوارق الاجتماعية والإقصاء والإدماج الملائم للعولمة.

*إن المغرب المأمول في أفق سنة 2025 هو أن يكون بلادا منفتحة على القيم الكونية، متشبثة بجذورها، معتزة بتنوعها الثقافي، وتتقاسم قيم التقدم ؛
* مغرب أكثر إنصافا وتضامنا يقوم على ولوج معمم للخدمات والبنيات التحتية الأساسية، ويضمن لكل مواطنيه شروط عيش أفضل ؛
*مغرب لامركزي، حيث تسهم كل جماعاته المحلية في سيرورة التنمية البشرية، مع تثمين تنوعها وإمكاناتها المادية وغير المادية. وهكذا، فالسمة النموذجية المميزة لالتزام المغرب بالديموقراطية ستكون بمثابة مؤهل حاسم، توفر، في الحالة المتعلقة بأقاليم الجنوب، الباب الوحيد للمخرج الممكن : استقلال ذاتي يتيح للساكنة صلاحية التدبير الديموقراطي لشؤونها، في احترام تام للسيادة والوحدة الترابية للمملكة ؛
*مغرب مندمج، بشكل واسع في مجتمع المعرفة ؛
*مغرب حيث تكون فيه الحكامة الجيدة راسخة بعمق في أخلاقيات وممارسة كافة الفاعلين في التنمية ؛
*مغرب يجري فيه تحرير الامكانات البشرية ولازمتها المتمثلة في تقوية تحميل المسؤولية للأفراد، ضمن بيئة محفزة، لا تعيق ولا تعرقل جهود الأفراد الهادفين إلى تقرير مصيرهم بأنفسهم ؛
*مغرب يتوافر على اقتصاد قوي مندمج، تنافسي ومفتوح على العالم، وقادر على تعميم الشغل والثروات؛
*مغرب يطبق قوانينه التي تتميز اليوم بدقتها ؛
*مغرب سيكون قد استجاب للأهداف التنموية للألفية قبل سنة 2015 ؛
*مغرب مندمج بعمق في محيطه المغاربي والإفريقي والمتوسطي والدولي.

- وتعتبر الإمكانات التي توفرها الظرفية الدولية الاستثنائية جد متميزة. لذلك يستدعي استثمارها التسلح بالإرادة والذكاء والفعالية من قبل المغاربة. ومن ثم، فالاندماج الفعال في اقتصاد المعرفة عن طريق نهج مماثلة مع نتائج التحليلات المقارنة على المستوى الجهوي والدولي في هذا الميدان، توفر"مخرجا نحو الأعلى" للاقتصاد المغربي. وبذلك، يمكن لبلادنا، خلال العقدين القادمين، أن تطمح بشكل مشروع إلى الانتقال من وضعية "بلاد وسيطة" إلى وضعية " بلاد للإقلاع " تتوافر على دخل قار يتجاوز 8000 دولار للفرد. كما يمكن للمغرب أيضا أن يطمح إلى تحقيق ما يلي :

- التقليص من نسبة أمية الكبار إلى أقل من 5 % مع محوها التام على مستوى المقاولات ؛
- التقليص من معدل البطالة إلى أقل من 10 % ؛
- الرفع من نسبة التلاميذ في مستوى البكالوريا ذوي نفس الفئة العمرية إلى %70 ؛
- الرفع من مجهود البحث والتنمية إلى5 % من الدخل الفردي الإجمالي؛
- مضاعفة أعداد المهندسين المستفيدين سنويا من التكوين للوصول إلى أكثر من 40 مهندسا لكل 10.000 من السكان في أفق سنة 2025، وبشكل يمكن من تشجيع إقبال الشباب المغاربة على الشعب العلمية والتقنية، التي توجد اليوم في وضعية مهمشة ؛
- السعي إلى جعل 40 % من مناصب المسؤولية الموكولة للنساء ترجع إليهن؛
- تغطية ما يفوق 15 % من الحاجيات الطاقية باعتماد مصادر الطاقة المتجددة ؛
- تحقيق مساواة كل المغاربة في ولوج الخدمات الأساسية.
4.6. السير نحو 2025 : رهانات السيناريو المأمول

/بفضل المسافة الزمنية التي يتيحها التفكير في نصف قرن من التنمية البشرية، يمكن للبلاد أن تنظر اليوم إلى ماضيها بتأن ورزانة، كما يمكنها أن تستشرف مستقبلها بثقة من خلال مقاربة توفق بين التقييم الذاتي والصرامة، وما بين الإرادية وموضوعية الرؤيه. إن بلادنا تحذوها ضرورة التعبئة حول مقاصد مشتركة وبناء المستقبل الذي تطمح إليه ؛ مستقبل يتم الإعداد له بدل الخضوع لما سيكون عليه.

/وللتوجه نحو هذا المستقبل المأمول، يتعين على البلاد، أولا وقبل كل شيء، تحقيق التجاوز النهاهئي للمعيقات التي تم تشخيصها بعمق، والتي كانت مصدرا لعوامل التأخر، التي ما تزال ترهن مستقبلها.

/كما ينبغي لبلادنا أن تجعل من بؤر المستقبل رافعات حاسمة : فالمعرفة، الحكامة، الاقتصاد، الإدماج، الصحة وإطار العيش ؛ كلها ميادين يجب أن تحظى بأولوية الإصلاح والعمل، تنضاف إليها رهانات جديدة.

/ولإعطاء مضمون ملموس لهذه الرؤية، يمكن تحديد عدد من طرق العمل. وإذا كان صحيحا أن الرؤية يمكن أن تكون متقاسمة، فإن السبل المفضية إلى تحقيق أهداف هذه الرؤية تبقى متعددة وتشكل بالفعل موضوع وهدف الممارسة السياسية. غير أنه ينبغي : يتعين مراعاة المرونة والقدرة على التكيف في وضع الأجندة الوطنية، بشكل يجعلها قابلة لإدماج المستجدات ومختلف الإثراءات البديلة، وفي الوقت ذاته، الانطلاق فمن قدرة البلاد على توطيد بعض إصلاحاتها وأوراشها الحاسمة والتي ينبغي لها، بالنظر إلى طبيعتها ورهاناتها، أن تسمو عن الظرفيات والتناوبات السياسية. ومن ثم فإنه يرجع إلى القيادات السياسية إنجاز هذا العمل بالرغم من أن "التوافقات" في هذا المضمار لا تتنافى مع الممارسة الديموقراطية ؛ ذلك أن قضايا من حجم الإصلاح التربوي، والاندماج في مجتمع المعرفة، وإعداد التراب، ومحاربة الفقر أو بالأحرى المعادلة الصعبة للماء ؛ تشكل جميعا قضايا حاسمة وبالغة الحساسية، مما يجعلها تستدعي الالتزام بتعاقدات وطنية ممركزة حول أهداف إرادية، لا مناص من تحقيقها.

/ / / / / / / فأفق 2025، يستلزم من المغرب أن يفوز، على الأقل، برهانات المستقبل الخمس التالية :

---توطيد الممارسة السياسية العادية وتقوية التماسك الوطني وتحسين نظام الحكامة ؛
----توفير شروط اندماج قوي للمغرب في اقتصاد ومجتمع المعرفة ؛
----إعادة بناء اقتصاد تنافسي يستفيد من انفتاح النافذة الديموغرافية ؛
----ربح رهان مكافحة جميع أشكال الإقصاء وإعادة تنظيم التضامنات والتغلب على الفقر؛
----استغلال فرص الانفتاح وتجنب مخاطره، والمضي في مقاربات جديدة بهدف للتموقع الجهوي.

---- توطيد الممارسة السياسية العادية، وتقوية التماسك الوطني وتحسين نظام الحكامة :
يتعين على المغرب، ليس فقط، أن يستكمل انتقاله الديمقراطي، بل وأن يستقر، بشكل دائم، في إطار الممارسة السياسة العادية. إن هذا الانتقال لن يتحقق إلا بفضل فاعلين مقتنعين بالاختيار الديمقراطي وفي مقدمتهم : ملكية دستورية ومواطنة تتولى، في استمرارية دورها التاريخي، وبتوافق مع القوى الحية للمجتمع، قيادة مختلف مراحل هذه السيرورة السياسية.
وينبغي للعمليات الانتخابية الانتقال من الوفرة الكمية للأحزاب السياسية إلى التعددية في المشاريع والبدائل. وهو ما سيدفع إلى إعادة هيكلة الحقل السياسي الوطني حول أقطاب إيديولوجية واضحة، وإلى تجديد دور النخب.
ومن هذا المنظور، فإن إعادة الاعتبار للالتزام السياسي أصبح فعلا وطنيا، كما بات من الضروري استرجاع دور ومكانة الأحزاب السياسية، على غرار دور وسائل الإعلام والمجتمع المدني.
إن هذه المجموعات الثلاث من الفاعلين، مدعوة كلها لأن تلقي نظرة استشرافية على المستقبل، وأن تتأقلم مع التغيرات التي يشهدها المجتمع، ومع التحولات التي تطرأ على الأفكار والتقنيات، عبر العالم.
ومن جانب آخر، فإن الانخراط في الممارسة السياسية العادية لن يتحقق دون توفير محيط يضمن الأمن والاستقرار، ودون تأمين دور فاعل بل ومؤسساتي للمعارضة السياسية.
كما يتعين على بلادنا أن تعطي نفسا جديد للامركزية، بوصفها نهجا لتوسيع نطاق الممارسة الديمقراطية وقاعدة النخب، وكذا لتنظيم سياسة القرب ومشاركة الساكنة، وتجاوز بطء مساطر اتخاذ القرار.
ومن شأن استحضار البعد التراب السياسات والبرامج العمومية أن تحسن من مردودية تدخلات الدولة، كما ينبغي تعزيز سياسة اللاتمركز وتشجيع العمل المشترك ما بين القطاعات الوزارية، حتى تجسيد عمليا الانتشار الترابي لعمل الدولة.
ويمثل اختيار الجهوية، بدوره، خيارا مستقبليا، سواء لاعتبارات ديمقراطية أو اقتصادية؛ فبلادنا التي انخرطت في هذا النهج، مدعوة لأن توفر لنفسها الوسائل الكفيلة بأن تجعل الجهة تتحول فعليا، إلى فضاء للتعبير والتمثيلية السياسيين، ومحيط مؤهل لقيادة سياسات عمومية منسقة ومندمجة.
وفكما هو الشأن بالنسبة للجماعات المحلية فإنه ينبغي أن تتمتع المؤسسة الجهوية بتفويت واسع للاختصاصات والموارد، خاصة في مجال إعداد التراب والتنمية الاقتصادية. كما أن العمل على "استقرار الخريطة الإدارية"، بالاعتماد على تقطيع ترابي أكثر عقلانية، وعلى ترسيخ دور المستويين الاستراتيجيين للامركزية المغربية، أي الجماعة والجهة، يشكلان مشروعين هامين لخدمة الديمقراطية، وللرفع من مردودية السياسيات التنموية.
وأخيرا، فإن تجديد الحكامة العمومية هو اللازمة الإجرائية للتجديد السياسي، كما يمثل الشرط الضروري لكي ينخرط المغرب في نهج تنمية بشرية مستديمة، وذات مستوى أجود.
ومن أجل ذلك، ينبغي لنظام اتخاذ القرار أن يتسم بالعقلنة وبالتفاعلية ؛ ذلك أن تدخل الدولة يكون أكثر نجاعة عندما تضطلع بالمهام الكاملة بصفتها القيمة على وضع الاستراتيجية وقواعد الضبط، وعندما توفر أوسع شروط الشفافية بالنسبة للفاعلين السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين.
كما يتعين على المغرب، خلال العقدين القادمين، أن يدير ظهره نهائيا لظواهر الرشوة وسوء تسيير الموارد العمومية، وأن يجعل من الحركية والمحاسبة والشفافية والتقويم، قيما عادية في تدبير الشأن العام.
وفي هذا الصدد، يعتبر دور مؤسسات الرقابة الإدارية والمالية حاسما، على غرار دور وسائل الإعلام. كما أن جودة الخدمة المقدمة للمواطن، بصفته )مستعملا أو **ونا أو دافعا للضريبة( للمرفق العمومي، يجب أن تصبح معيار تجديد الثقة في الموارد البشرية القائمة على هذه الخدمة، ورصد الإمكانيات المادية.
***** توفير شروط اندماج قوي للمغرب في اقتصاد ومجتمع المعرفة :******
يشكل تجديد المدرسة رهانا بالغ الأهمية ؛ يتعلق الأمر بمدرسة منتجة للمضامين ولقيم المواطنة وضامنة للرقي الاجتماعي. وبمدرسة يكون لها إشعاع في محيطها، مندمجة في بيئتها وحاملة لأفكار التقدم ؛ مدرسة قادرة على ربح رهان الجودة والاستجابة لمتطلبات القرن الواحد والعشرين، مدرسة يتحمل فيها رجال التعليم، بعد إعادة الاعتبار والمصداقية والاحترام لهم، كامل مسؤولياتهم تجاه أجيال المتعلمين الناشئين. وسيكون في مستطاع مدرسة كهذه أن تمد البلاد بالموارد البشرية ذات الكفاية القمينة بتمكينها من ولوج عوالم اقتصاد المعرفة وربح معركة التنمية.
ومن شأن مدرسة بهذه المواصفات أن توفر للبلاد كذلك النخب السياسية والاجتماعية القادرة على إنجاح المشروع الديموقراطي الوطني.
ومن ناحية أخرى، فإن الأمة التي تنخرط في مجتمع المعرفة لا يمكنها الاكتفاء بنقل التكنولوجيات، بل ينبغي لها أن تتوافر على بنيات وقدرات ذاتية في مجال البحث والتنمية.
وعلاوة على ذلك، فإن إنجاح الاندماج في مجتمع المعرفة لا يمكن أن يتحقق دون الانتشار الواسع لتكنولوجيا المعلوميات والاتصال في المقاولات والإدارات وكذا الأسر.
إعادة بناء اقتصاد تنافسي يستفيد من انفتاح النافذة الديموغرافية ؛
إن النمو الاقتصادي يبقى ضروريا للرفع من مستوى عيش السكان، وتيسير الاندماج السوسيو-اقتصادي للمواطنين، وتوفير حاجياتهم. وهي ضرورة ملحة بالنظر إلى أنه ليس هناك من خيار أمام المغرب سوى رفع تحدي انفتاح النافذة الديموغرافية، المتوقعة خلال السنوات القادمة.
إنه تحد كبير، بالنظر إلى أن المتغير الديموغرافي، والرهان الذي يطرحه فيما يخص التشغيل، أضحيا يحددان أفق التنمية البشرية للبلاد : وبالفعل، فإنه يتعين الانتقال إلى وتيرة خلق 400.000 فرصة شغل سنويا، في الأعوام المقبلة، عوض المعدل الحالي، المتمثل في 200.000.
وإجمالا، فإن تحويل هذه النافذة الديموغرافية إلى "عائد ديموغرافي" يشكل رهانا تاريخيا، بالنسبة للمغرب، لكونه لن يشهد مثل هذه الفرصة، خلال هذا القرن.
وفي هذا الأفق، يتعين على السياسات الاقتصادية والقطاعية أن تتجه نحو أهداف، أكثر طموحا، للنمو والتشغيل والرفع من مستوى العيش.
فالمطلوب خلال العقدين المقبلين، هو بناء اقتصاد جديد للعالم القروي تتوافر فيه شروط التنوع ويتمفصل حول القطاع الفلاحي بعد إعادة هيكلته وتكييفه مع متطلبات العصر.
كما سيعرف قطاع الصناعة والخدمات حيوية جديدة إذا نجح المغرب في الاندماج في اقتصاد المعرفة، باعتبار الآفاق الاستثنائية التي تتيحها عولمة التبادلات. وبهذا الصدد، ينبغي للإصلاح المعلن عنه في مجال النظام الضريبي أن يمضي إلى غايته، مع مراعاة العدالة الاجتماعية وتساوي الجميع أمام الضريبة، وتنافسية المقاولات الوطنية وجاذبية المجالات الترابية.
وفي الاتجاه ذاته، فإن على بلادنا أن تحسن من قدرتها التنافسية لربح حصص جديدة في الأسواق الجهوية والدولية، وذلك بالاستفادة من رفع الحواجز الجمركية، وانخفاض التكاليف اللوجيستية، لولوج أسواق جديدة.
ويتطلب تحقيق هذا الهدف، نهج استراتيجية مبادرة، في مجال التصدير، بتواز مع سياسة ناجعة لاجتذاب رؤوس الأموال والاستثمارات الخارجية؛ وذلك ضمن استراتيجية شاملة ومتجددة لتسويق المنتوج والموقع المغربي بالخارج. لذلك، ينبغي على بلادنا ألا تتأخر في اعتماد هذه الاستراتيجية، التي تتطلب، بصفة خاصة، التخلي النهائي عن الأساليب الحالية المطبوعة بتشتت الجهود، وتعويضها ببنيات مرنة وفعالة، قمينة بأن تمنح للمغرب تموقعا واعدا في الأسواق الدولية.
كما أن على بلادنا أن تتوفر على رؤية لتنافسياتها الترابية، عبر تشجيع انبثاق "أقطاب جهوية للتنافسية". وهو انشغال يجب أن يظل مركزيا بالنسبة لكل استراتيجية لإعداد التراب، في سياق العولمة.
ومن ناحية أخرى، يتعين على المغرب إعادة توجيه سياسته المائية والطاقية. وبالفعل فإن الطابع المركزي لمسألة الماء يستوجب التوجه نحو مصادر أخرى غير المصادر التقليدية، والتحكم التدريجي في الطلب، لأن البلاد لا يمكن لها أن تستغني عن نهج تدبير أكثر عقلانية وأكثر عدلا للموارد المائية، يأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الإيكولوجية التي ستواكب، على مستوى كل الأحواض المائية، حالة الندرة المرتقبة.
أما فيما يخص الطاقة، فإن الارتفاع الدائم لأسعار النفط سيضطر المغرب إلى التحكم في استهلاكه للبترول، وتنويع موارده الطاقية، مع البحث عن مصادر جديدة أقل تكلفة وأكثر حفاظا على البيئة، وتوعية الساكنة بالسبل الكفيلة باقتصاد الطاقة، وبأهمية الطاقات النظيفة والمتجددة.
وبإمكان المغرب أيضا الاستفادة من إمكانيات التعاون الدولي، من أجل تطوير الطاقة النووية المدنية، في إطار "شراكة استراتيجية للثقة"، مع إقامة البنيات التحتية الصناعية والعلمية الضرورية لضمان سلامة مثل هذه المشاريع ؛ ذلك أن الخيار النووي المدني سيشكل، في العقود القادمة، اختيارا يجب على المغرب التفكير فيه بجدية، بالنظر إلى عدم استقرار السوق الدولية للطاقة.
ربح رهان مكافحة جميع أشكال الإقصاء وإعادة تنظيم التضامنات والتغلب على الفقر؛
سيتميز العقدان القادمان بانتقال الرهانات الكبرى للتنمية البشرية نحو المدن، التي سيقطن بها سبعة (7) مغاربة من أصل عشرة (10)، في أفق سنة 2025. وسيصبح اعتماد سياسة حقيقية للمدينة وإعادة تنظيم أشكال التضامن من الأوراش المهمة في هذا المضمار. بالتالي، لا يمكن توقع التطور الحضري وإعداد الفضاءات الحضرية إلا عبر سياسة مندمجة وشمولية للمدينة. فتدبير شؤون المدن لا يمكن أن ينحصر في قضايا التعمير والسكنى.
وبما أن المدن ستصبح مواقع إستراتيجية للتغيير وخلق الثروات، وفي الآن ذاته، مجالات لانتشار ظواهر الإقصاء والفقر، فإن "معركة المدينة" يجب أن تتسع لتشمل كل ما يتعلق بإطار العيش والأمن والنشاط الثقافي والمرافق الحضرية للنقل وتحسين مستوى الانسجام بين المرافق السكنية والإنتاجية للمدن. ومن ثم، فإنه لا يمكن فصل رهان المدينة المدمجة عن الخيارات المرتبطة بالديمقراطية المحلية. وهذا الرهان لن يتم كسبه بدون خلق ميكانيزمات للمشاركة الديمقراطية للسكان في تسيير مدنهم وأحيائهم، وبدون نموذج متجدد وتشاركي ومسؤول للتخطيط الحضري.
غير أن مسألة السكن ستظل من القضايا الأساسية المطروحة في المستقبل، والتي سيكون من شأن التهاون في معالجتها أن يصبح أمرا بالغ الخطورة. كما أن التمدين يبقى رهينا بتطوير مدن جديدة صغرى وأخرى متوسطة، إضافة إلى إعداد حضري للمجالات بين المدن.
وموازاة مع ذلك، يظل مستقبل العالم القروي مرتبطا بتطور الفلاحة، وهو ما يتعين أن يكون موضع اهتمام خاص. لذلك، لا يمكن التفكير في تنويع الأنشطة القروية إلا عبر رؤية واضحة لمستقبل القطاع الفلاحي نفسه، حيث يشكل التخفيف المتوقع على الأراضي الفلاحية، في حد ذاته، حلا ملائما يفتح هذه الإمكانية. ولهذه الاعتبارات، ينبغي الكف عن النظر إلى المجالات القروية كفضاءات للتصحيح الاجتماعي والاستدراك الدائم. فالعالم القروي يستدعي أفقا اقتصاديا واضحا ومنسجما ؛ أفق لا يمكن أن يتبلور دون إقامة تمفصل ذكي مع المدن، (من خلال المدن الصغيرة والمراكز الحضرية)، وذلك في إطار منظورات ترابية، قائمة على التشاور، ومدعمة من قبل الدولة، ومن شأنها أن تصل إلى حد اعتماد تمييز إيجابي لفائدة مناطق قروية ذات مؤهلات خاصة.
ومن ناحية أخرى، فإن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية توفر إطارا مستقبليا لإعادة تنظيم التضامنات، وتسريع وتيرة محاربة الفقر والإقصاء. وستمثل السنوات العشر القادمة حيزا زمنيا مناسبا لتحقيق استدراك جد ملموس، في مجال التنمية البشرية.
فمبادرة التنمية البشرية، التي حددت الأفق المطلوب، في هذا المضمار، ينبغي لها أن تتفادى التحول إلى مجرد برنامج لمحاربة الفقر وأن تثبت نجاعتها، كإطار مستقبلي لإعادة تنظيم التضامنات الاجتماعية والترابية، وكأساس مؤمن لفاعلية السياسات والبرامج العمومية.
وعلى المستوى الإجرائي، فإن هذه المبادرة ينبغي أن تشكل الإطار الاستراتيجي المرجعي الذي يوفر وحدة في الرؤية للبرامج والمشاريع، وآلية للابتكار في مجال الهندسة الاجتماعية والتكفل التشاركي بحاجيات السكان.
وفي السياق ذاته، فثمة قضايا اجتماعية استراتيجية أخرى ينبغي أن تعرف بداية حلول، أكثر طموحا، خلال العقدين القادمين. يتعلق الأمر بنظام الموازنة، بالنظر للتحولات المرتقبة في القطاع الفلاحي، وللضغوط المقبلة على مصادر الطاقة. كما يتعلق بالتوسيع الفعلي للتغطية الصحية، لفائدة الفئات ذات الدخل المحدود، والمحتاجة، وكذا ضمان التوازن والاستمرارية الضروريين لأنظمة التقاعد التكافئي.
استغلال فرص الانفتاح وتجنب مخاطره، والمضي في مقاربات جديدة للتموقع الجهوي
يتعين على المغرب أن يتموقع كفاعل جهوي مؤثر في مشروع بناء منطقة للسلام والاستقرار والتقدم، في حوض البحر الأبيض المتوسط. كما أن شراكته مع المجموعة الأوروبية وتطور علاقاته مع الولايات المتحدة الأمريكية، ستتقوى رغم الإكراهات الظرفية ودرجة انخراط الضفة الأخرى للبحر المتوسط أو المحيط الأطلسي في هذه العلاقات. كما يجب على المغرب ألا يذخر جهدا من أجل أن يجعل من اتحاد المغرب العربي واقعا حقيقيا. وبموازاة مع شراكة المغرب مع أوروبا، فمن الضروري عليه أيضا أن يقوي علاقاته مع إفريقيا، على الصعيد السياسي والتجاري والعلمي. وإلى جانب ذلك، فإن بروز فضاء اقتصادي آسيوي (خاصة الهند والصين)، والتغيير السياسي والاقتصادي الجاري في بلدان الإتحاد السوفياتي سابقا وظهور"عمالقة" جدد، كل ذلك يفرض تنويعا في الآفاق الإستراتيجية لبلادنا.
أن رهانات المستقبل هي بالأساس رهانات الشباب المغربي، الذي على عاتقه ستقوم نهظة البلاد وتنميتها، والذي يعود إليه الحلم بمغرب الغد وبنائه.
ولكون الشبيبة تشكل عماد المستقبل، فإن عليها أن تفرض نفسها ليس كفاعل أساسي فحسب، ولكن كهدف محوري للسياسات العمومية. وعلى المغاربة جميعا أن يضعوا اليوم كل الثقة في بلادهم وفي قدرتهم الجماعية على الانخراط في مسيرة التنمية والتقدم، من أجل أن يسير الحلم بالمغرب المأمول في اتجاه المسالك المفضية إلى المغرب الممكن.
انتهى التقرير
المصدر:ملخص تركيبي للتقرير العام حول التنمية البشرية بالمغرب بمناسبة الذكرى الخمسينية لاستقلال المملكة المغربية.
تحت شعار : " المـــــــســـــتقبل يشــــيد و الافـــــــضل مـــــــــــــــــمكن "












عرض البوم صور hamza_fes   رد مع اقتباس