عرض مشاركة واحدة
قديم 08-03-2009, 10:41 AM   المشاركة رقم: 3 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
hamza_fes
اللقب:

مشرف عام 


البيانات
التسجيل: Dec 2007
العضوية: 30
المشاركات: 228 [+]
بمعدل : 0.15 يوميا
اخر زياره : [+]
 


التوقيت

الإتصالات
الحالة:
hamza_fes غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : hamza_fes المنتدى : بنك الأفكار لتطوير البحث السيكولوجي
افتراضي رد: "50 سنة من التنمية البشرية بالمغرب وآفاق سنة 2025

. نحو المستقبل، بكل ثقة
1.6. مغرب 2005، فضاء لكل الانتقالات
بعد خمسين سنة من الاستقلال، يشهد المغرب انتقالات متعددة : انتقال ديمقراطي ومؤسساتي واقتصادي واجتماعي وثقافي، وكذا انتقال ديموغرافي يتسم بوتيرة وشكل خاصين، لدرجة أنه قد يحدد بشكل وازن أغلب السياسات العمومية المقبلة.

*فعلى المستوى السياسي، يوجد المغرب في طور استكمال انتقاله الديمقراطي، الذي تجسده جملة من الإصلاحات الكبرى، الهادفة إلى تعميق وتسريع المسار الديمقراطي، وتأكيد سلطة القانون. وهو انتقال يلمس سواء على مستوى الممارسة السياسية أو على مستوى التشريع والقيم، التي تحكم اشتغال المؤسسات والعلاقات بين الفاعلين.
ويهم هذا الانتقال عدة مجالات للحياة العمومية : توضيح قواعد اللعبة (التناوب السياسي، إجراء الانتخابات التشريعية والجماعية، بشكل منتظم، القانون الجديد للأحزاب، المفهوم الجديد للسلطة) ؛ تأهيل المؤسسات واستكمال الإصلاحات (التي تهم ميادين : القضاء، الفضاء السمعي-البصري، الحقل الديني، مدونة الأسرة).
وهو انتقال يهم أيضا طي الملف الأسود لحقبة التوترات السياسية، من خلال إحداث هيأة الإنصاف والمصالحة، وملاءمة التشريع الوطني للمقتضيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان.
وعلى المستوى الاقتصادي، فإن الاندماج في الاقتصاد العالمي يشكل أفق الانتقال الذي يعرفه الاقتصاد المغربي ؛ ذلك أن دينامية الانفتاح المتسارعة خلال الثمانينات، كانت تخللها فترات متتالية من الإصلاحات الداخلية وتحرير المبادلات، في إطار العديد من الاتفاقيات التي وقعها المغرب. وهكذا، فأوراش الانتقال الاقتصادي هي متعددة ومتنوعة : البنية التحتية (ميناء طنجة-المتوسط، شبكات الطرق السيارة...) ؛ مشاريع سياحية (المخطط الأزرق) ؛ السياسة الصناعية الجديدة وتأهيل المقاولة المغربية (ميثاق المقاولات الصغرى والمتوسطة، استراتيجيات التأهيل، (… Plan Emergence ؛ ترصيد التوازنات الماكرو-اقتصادية (تقليص المديونة الخارجية) ؛ الإصلاحات القانونية والإدارية، التي تهم قطاعات اقتصادية متنوعة (مدونة الشغل، القطاع المالي والجبائي...) ؛ ووضع إطار أكثر نجاعة للاستثمار (صندوق الحسن الثاني للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، المراكز الجهوية للاستثمار).
*وعلى المستوى الاجتماعي، أطلق المغرب عددا من الأوراش التي تفتح الكثير من الأمل. وهكذا سجلت السنوات الأخيرة حدوث منعطفات نوعية في التعامل مع القضايا الاجتماعية، كما أن ملفات حاسمة حظيت بعناية خاصة، في تجاوب مع أهداف الألفية للتنمية، التي انخرط فيها المغرب : ورش الإصلاح التربوي مع اعتماد الميثاق الوطني للتربية والتكوين ؛ دخول التأمين الصحي الإجباري إلى حيز التنفيذ ؛ برامج السكن الاجتماعي، التي تعرف تسريعا في الوتيرة، وتعبئة لموارد إضافية (برنامج "مدن بلا صفيح"...) ؛ تدابير هادفة إلى فك العزلة عن العالم القروي (الطرق، الكهربة، والماء الشروب).
ومن خلال التقاء الجهود القطاعية، فإن الاضطلاع بالحقل الاجتماعي يتم اليوم بشكل ملتئم، من خلال رؤية أفقية تفسح المجال لإسهام مجموع الفاعلين المعنيين، في إطار منسق.
وبهذا الصدد، فإن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية جاءت لتغير مفهوم العمل الاجتماعي، ولتفتح له أفقا جديدا، وتمنحه انسجاما في الرؤية، لم يسبق لها مثيل.
تشهد كل هذه الإصلاحات على سريان دينامية غير مسبوقة، وهي إصلاحات تجري في سياق جهوي ودولي يتسم أيضا بسلسة من التحولات. ولذلك يعد استكمالها وتحصينها الرهان الكبير للمشروع الوطني الموجود قيد الإنجاز ؛ مشروع يهم الدولة، كما يعني المجتمع كافة. ومن الأساسي أن يكون للفاعلين الرئيسيين وعي تام ليس فقط بأفق الانتقالات الجارية وبأهمية العمل الإصلاحي الذي تم الشروع فيه، ولكن أيضا بالمخاطر التي يمكن أن تعترض سيرها. ومن بينها :
*عدم التحكم في أجندة الإصلاحات، بسبب تزامن توقيتها أو نظرا لنقص في انسجامها الكلي ؛
*خطر الاستسلام للإكراهات الظرفية، التي تفتح الباب أمام حصول تراخي في الجهود أو التخلي أو التطبيق الجزئي أو الانتقائي لأهداف الإصلاح ؛
*حدوث أزمة خارجية أو داخلية حادة، قد تسبب توقفا فجائيا للدينامية الجارية ؛
*عدم القدرة على بلوغ السقف المطلوب أو الوتيرة الكافية في العمل الإصلاحي، الكفيلة بإطلاق دينامية للتغيير، لا رجعة فيها ؛
*عدم تطبيق القوانين والاتفاقيات الملتزم بها. ذلك أن دولة ديموقراطية هي أيضا دولة قوية.
إن مكتسبات كل انتقال هي بطبيعتها هشة وقابلة لتصبح كذلك. ومن ثم، فإن الفاعلين مدعوون للسهر الدائم على توطيدها وصون الانتقال من مخاطر التراجع إلى الوراء. ويتمثل دورهم ودور الدولة بصفة خاصة، في الملاءمة المستمرة للمشروع الوطني مع الرهانات والتحديات، التي يمكن أن تظهر في المستقبل.
هذا الانشغال الجماعي هو حاسم جدا، ولاسيما أن الأشواط المتبقية على طريق التنمية البشرية ما تزال طويلة : فالمغرب يحتل اليوم الرتبة 124 في سلم مؤشر التنمية البشرية، في الوقت الذي يحتل فيه الرتبة 108 على مستوى معدل الدخل الفردي. وبإمكان مواطن النقص المتعددة أن تشكل حصيلة سلبية ثقيلة، قابلة لأن تعيق، في أية لحظة، مجهود التصحيح. وفي مواجهة هذا الخطر، تتوافر البلاد على مؤهلات واعدة وأساسية. وتشكل معرفة هذه المؤهلات وأيضا المكامن الكبرى للعجز، دون أدنى شك، الشرط الأساسي للسير نحو المستقبل بكل تبصر وثقة.
2.6. استشراف مغرب الغد : المؤهلات وبؤر المستقبل

•المؤهلات :

-على مدى الخمسين سنة الفارطة، حقق المغرب تقدما ومكتسبات بنيوية. ولأن هذه الإنجازات هي نتاج مسار طويل من المخاض والتوطيد، فإن العمل على تحصينها يعد مسؤولية ملقاة على الجميع. وتتعلق هذه المؤهلات، على الخصوص، بما يلي :

* أساس متين للانتماء للأمة : بعد نصف قرن من الاستقلال، كان الإحساس بالانتماء للأمة وما يزال متينا وراسخا، كما تشهد بذلك حيوية الشعور الوطني وتوقده : مقاومة الاحتلال، النضال من أجل الاستقلال، المسيرة الخضراء وإلى وقت قريب إدانة إجماعية أحداث 16 ماي. وإذا كان هذا الأساس للانتماء للأمة قد تأثر بالتوترات السياسية التي هيمنت، لمدة طويلة، فإن "العيش معا"، كمبدإ مميز استطاع أن ينبثق من صميم هذا الانتماء للمجموعة، ذات الروافد المتعددة، الملتئمة حول القيم العصرية القائمة على التعايش والتمازج الاجتماعي واللغوي والإثني. فالانتماء للمجموعة الوطنية يؤلف بين تنوع الهويات الخاصة، ويرسخ قاعدة القيم المشتركة، ويثري الرأسمال الاجتماعي المتقاسم، وينتج الرابط الاجتماعي والتضامن ؛ وتلك أبعاد متعددة تسهم في التنمية البشرية.

* مكتسبات ديمقراطية حول مؤسسات مشروعة : يشكل تطبيع الحياة المؤسساتية والسياسية إحدى أهم مكتسبات مغرب اليوم. فمؤسساتنا المتجذرة في القدم، أصبحت مفتوحة في وجه المتطلبات الديمقراطية والمعايير الكونية التي تنظم دولة الحق، والحريات العامة والفردية وحقوق الإنسان. وعلاوة على ذلك، فإن القواعد الأساسية لعمل المؤسسات وتنظيم الحياة السياسية تحظى بانخراط أغلبية الفاعلين السياسيين. وهؤلاء يلتقون جميعا حول أرضية مشتركة، تقوم على اختيارات استراتيجية واضحة، تزكيها وتدعمها أعلى سلطة في الدولة. وفي مقدمة هذه الاختيارات : الملكية الدستورية، التمسك بإسلام متفتح ومتسامح، الخيار الديمقراطي، حقوق الإنسان، إدانة العنف المؤسساتي والخارج عن الشرعية، اقتصاد السوق، التضامن والانفتاح على العالم.

* دينامية المجتمع : على مدى الخمسين سنة الأخيرة، استطاع المغرب الحفاظ باستمرار على دينامية داخلية، عبرت عن ذاتها من خلال الأحزاب السياسية : التنظيمات النقابية، الهيآت الوسيطة، وسائل الإعلام، المجتمع المدني، المنظمات غير الحكومية العاملة في الميدان الاجتماعي، المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان، وعن حقوق المرأة، الجمعيات الثقافية والرياضية. هذه الدينامية الموطدة بشكل موصول تتقوى وتتنوع، لتفتح آفاق جديدة للبلاد.

-وفي نفس السياق، فإن وجود إطار قانوني لحرية الصحافة وتأسيس الجمعيات، بالإضافة إلى بروز حقل إعلامي يقظ واحترافي تعد مكتسبات أساسية، ولاسيما بالنظر إلى المعايير المتداولة في المحيط الجهوي لبلادنا. كما أن المشهد الح**ي والنقابي يستعد، في الوقت الراهن، لتجديد بنيوي ولأداء أدوار جديدة على مستوى التنمية. أما بالنسبة لتعميق الممارسة الديمقراطية، وموصلة السير لترسيخ دولة الحق، وحرية تعبير الأفراد والجماعات فإنها لن تكون ممكنة في غياب المستوى الأول من الحريات وهو الأمن، ففيما يتعلق بهذه المسألة، عرف المغرب، على العموم، كيف يحافظ على السلم المدني، ويضمن أمن الأفراد والممتلكات، ويقطع مع العنف. وهكذا فتمظهرات عدم الطمأنينة والتعبيرات المحلية عن الانحرافات الإرهابية، الآتية من الخارج لا يمكن أن تنسي أهمية هذا المكسب الأساسي.

* تقدم أكيد في مجال التنمية البشرية : انطلق المغرب، غداة استقلاله، من مستوى ضعيف للتنمية البشرية. ومنذ ذلك الحين، تم بذل جهود، تشهد عليها الأشواط المتعددة المقطوعة على مستوى ارتفاع معدل الحياة، والتمدرس، والأمن الغذائي، وولوج الصحة وتدبير الماء والبنيات التحتية، ونمو الدخل الفردي الإجمالي ومعدل الدخل الفردي.

-وعلاوة على ذلك، تتوافر بلادنا اليوم على إطار عصري للعمل الاقتصادي، يجسده قانون الملكية والمبادرة الفردية، قانون الأعمال، الاستقرار الماكرو-اقتصادي، تنظيم الحوار الاجتماعي، قوة القطاع المالي العمومي. هذا فضلا عن أهمية القطاعين الثالثي والثاني في الإنتاج الوطني الخام، وبروز أبطال مغاربة في قطاعات مختلفة للأنشطة.

ولقد تحقق هذا التقدم الذي شهده المغرب أيضا بفضل إدارة عمومية توفقت، على العموم، في الاضطلاع بمهامها، رغم المشاكل الجسيمة التي ما تزال تعاني منها المرافق العمومية إلى اليوم. وبذلك، يعد المغرب بلدا منظما يتوافر على إدارة عمومية قوية وعلى هيأة موظفين قادرة، إجمالا، على الانخراط في مشاريع وأوراش الإصلاح والتحديث.

وإلى جانب ذلك، نجح المغرب في تسريع انتقاله الديموغرافي، عبر التحكم في معدلات النمو الطبيعية وكذا المتعلقة بساكنته، معدلا بذلك هرم الأعمار، المقترن بتمدين ديموغرافي فعلي، شريطة التحكم في آثاره الجانبية.

* انفتاح وانخراط ثابتان على الصعيد الدولي : إن مكتسبات بلادنا تلمس أيضا خارج حدوده ؛ حيث تأكد حضور المغرب فعليا على الصعيدين الإقليمي والدولي، منذ السنوات الأولى لاستقلاله.

-وكان دوره رائدا في المحافل العربية والإفريقية والإسلامية، كما برهن على حضور دائم، على الصعيد الدولي، يشهد على ذلك انضمامه إلى المعاهدات الدولية الكبرى، ونشاطه في حظيرة هيئة الأمم المتحدة. وقد جعل من الانفتاح الاقتصادي والتجاري خيارا استراتيجيا، وانخرط، خلال العقدين الأخيرين، في عدة اتفاقيات للتبادل الحر.

-ويمثل الخيار المغاربي والشراكة الأورومتوسطية وما وراء الأطلسية والعمق العربي والإفريقي، مكتسبات أساسية لمغرب اليوم. ومن ثم، تشكل صيانة هذه المكتسبات في اتجاه يخدم المصالح الوطنية وتنمية البلاد مهمة دائمة، لا يمكن اختزالها في العمل الدبلوماسي الرسمي فحسب ؛ ذلك أن الدبلوماسيات الموازية، التي يقوم بها المجتمع المدني والمثقفون ورجالات العلم ورجال الأعمال، ومكتسبات المغرب في مجال الانفتاح والعمل والإشعاع، على الصعيد الدولي، تبشر بدينامية جديدة.

•بؤر المستقبل :
وهي تلك التي تتعلق بالعوائق وأنواع العجز البنيوية، التي تهم الأبعاد المحورية للتنمية البشرية بالمغرب، حيث إنه بدون الخروج من بؤر المستقبل، فإنها سترهن، بشكل أكيد، مستقبل تنمية البلاد. وبالنظر إلى ترابطاتها المعقدة وآثارها الحاسمة فإن تجاوزها ستفتح الطريق أمام إمكانيات أخرى لمستقبل مغاير لمستقبل الاستمرار في المسار الحالي للاتجاهات الوازنة.

-إنها بؤر رئيسية، ترتبط بعدد من مجالات العجز والعوائق التي تم تشخيصها أثناء التحليل الاسترجاعي، وفي ضوء تحديات المستقبل :

* المعرفة : هنالك مواطن قصور دالة في مجال إنتاج المعرفة، وولوجها ونقلها ونشرها، في كل أشكالها : التربية والتكوين، محو الأمية، الإنتاج الثقافي، نشر المعارف الضمنية، والبحث العلمي والابتكار.
إن إرساء مجتمع المعرفة واقتصاد المعرفة أضحى اليوم ضرورة قصوى، في إطار المنافسة الدولية والانفتاح الاقتصادي وعولمة التبادلات. وعلى الرغم من المجهودات الموصولة التي تم بذلها، فإن المنظومة التربوية المغربية تمر بأزمة مشروعية ومصداقية تغذي القصور الحاصل في مجال المعرفة. فالأدوار الاجتماعية والاقتصادية للمدرسة تأثرت سلبيا، كما يشهد على ذلك ما تعانيه من صعوبة في نقل قيم المواطنة والانفتاح والتقدم، وما يعتريها من تراجع على مستوى جودة التعلمات الأساسية الضرورية لتنمية القدرات والكفايات (القراءة، الكتابة، الحساب، التحكم في اللغات).
* الاقتصاد : حقق الاقتصاد المغربي، على مدى خمسة عقود الفارطة، نتائج باهتة. وفيما يتعلق ببعض الجوانب، كان التقدم ملحوظا، حيث تم بناء أسس اقتصاد عصري، في إطار تحكم تدريجي في التوازنات الماكرو-الاقتصادية والتضخم. وفي المقابل، فإن تواضع مستوى النمو وعدم استقراره أعاقا، بشكل كبير، التنمية البشرية بالبلاد. كما أن القطاع الفلاحي، الذي تظل نتائجه مرتبطة بالتقلبات المناخية، إذا كان يحتل مكانة هامة في الاقتصاد الوطني. فإنه، يعد السبب الرئيسي في الهشاشة المستمرة التي يعاني منها الاقتصاد الوطني. كما أن ضعف النمو العام في ارتباطه بالتوزيع غير العادل لثمار النمو، وللاتوازنات سوق الشغل قد أفرز تفاوتات اجتماعية وغذى البطالة المكثفة، التي ظلت وما تزال تحد التنمية البشرية للبلاد، وتعمق الفجوة الاجتماعية. فالمغرب يعرف معدل بطالة عام يتراجع إلى أقل من 10 % منذ 1982. أما الفقر، فعلى الرغم من تراجعه نسبيا، إلا أنه ما يزال يهم خمسة ملايين مغربي.
* الإدماج : لم يتمكن المغرب دائما خلال الخمسين سنة المنصرمة من إدماج مختلف مكونات مجتمعه ومجالاته الترابية، في مساره التنموي. فعلى المستوى الأول، يلاحظ أن المرأة المغربية ظلت مبعدة ولم تحتل مكانتها كاملة في الدينامية التنموية لبلادنا ؛ فمستوى التنمية لدى النساء، وخاصة منهن القرويات ، ظل مقلقا، كما يشهد على ذلك، معدل تمدرس الفتيات ومعدل بطالة النساء، خلال نصف القرن الأخير؛ ذلك أن أول إجحاف وقع في حق النساء يتمثل في الأمية، التي تتسبب في حرمانهن من إمكانية الاندماج الكلي في تطور المغرب، ومن ثمة، حرمان البلاد من مؤهلات مكون واسع ومهم من ساكنتها. كما أن الشباب لم يحتل مكانته اللازمة في مسيرة التنمية. ومع أن فئة الشباب ما فتئت تمثل غالبية السكان المغاربة، فإن اندماجها الاجتماعي والاقتصادي ظل محدودا، خلال الخمسين سنة الفارطة، بسبب قصور تأطيرها، وضعف انخراطها في الحقل السياسي والثقافي والرياضي. هذا النقص في الإدماج يهم أيضا المستوى الترابي، ما دامت جهات كاملة ببلادنا لم يتم إدماجها في المسار التنموي.

-أما العالم القروي فإنه طالما ظل يعاني من الإهمال، بل والإقصاء من التنمية والتحديث. وبذلك فغالبا ما بقيت العديد من المناطق القروية مرتبطة بالزراعة المعيشية. ومعرضة أكثر من غيرها للبطالة وقلة فرص الشغل، وانتشار الفقر والأمية والأمراض، وهيمنة ظروف عيش بدائية، أحيانا، وجد سيئة، أحيانا أخرى. وهذا ما جعل العالم القروي يشكل الوجه الآخر لمغرب يسير، مع ذلك، على درب تطور جلي.
* الصحة : على الرغم من التقدم الملحوظ الذي حققه النظام الوطني للصحة، فإن ولوج الخدمات العلاجية ما يزال غير عادل ومحدود بسبب عوامل عدة، بالإضافة إلى مستوى ضعيف من الإنفاق العمومي في مجالي الصحة والتغطية الصحية الجماعية والخاصة ؛ الشيء الذي يفسر النقص الحاصل في التأطير الطبي والعلاجي، وفي البنيات التحتية الاستشفائية ، بالنظر إلى الإنجازات العامة للنظام الصحي.

-وإضافة إلى ذلك، يضاعف تحمل الأسر لنسبة 50 % من الإنفاق الإجمالي للصحة من حدة التفاوتات في ولوج الخدمات الصحية. كما تشكل التكلفة باهضة العلاجات والتوزيع الجغرافي غير العادل للخدمة الطبية، حواجز إضافية لولوج العلاجات، ولاسيما بالنسبة للساكنة الفقيرة والمعوزة. وفي نفس الإطار، فإن النواقص المتعلقة بنظام حكامة الصحة، وخاصة، ضعف التنسيق والانسجام المميزين للسياسات العمومية، ومحدودية الاهتمام بالبحث/التنمية ؛ تفضي إلى ضعف نجاعة العمل العمومي في هذا الميدان.

-وكل هذه الاختلالات تؤثر سلبيا في مستوى التنمية البشرية ببلادنا، بشكل تبرز انعكاساته على صحة الساكنة ومؤشرات الوفاة ومعدل الحياة. كما تترتب عنها تكلفات اجتماعية مهمة، وتراجع في مردودية العاملين بالقطاع.

* الحكامة : عرفت بلادنا عجزا أفقيا آخر، منذ الاستقلال يتعلق بحكامتها، بالمعنى الذي يفيد أسلوب التدبير والقيادة التسييرية وممارسة السلطة، سواء تعلق الأمر بالمجال العمومي أو المقاولة. وهكذا، ترتبط عوائق الحكامة الجيدة، أساسا، بالطريقة التي تم بواسطتها تطبيق المبادئ المهيكلة للتنمية البشرية. ومن ثم، فإن الفروق الملاحظة في مجال تطبيق الحكامة تهم الميادين التالية :

•المشاركة : هذه الميزة غالبا ما كانت منعدمة أثناء تصميم وإنجاز برامج ومشاريع التنمية. غير أنه بدون المشاركة المباشرة للمواطنين وعدم اهتمام الساكنة المعنية، فإن الإنجازات التي صممت بأفضل الطرق التقنية يمكن أن تبدوا بعيدة كل البعد عن الحاجات الفعلية للمواطنين، وغير متجاوبة مع انتظاراتهم، مما يجعلها ذات آثار سلبية على الأفراد، يمكن أن تستمر طويلا.

•التخطيط : غالبا ما تم التعبير عن المشاريع التنموية بواسطة وثائق مخططات. لكن تطبيق، بل وحتى إعداد تلك المخططات ظلا يعانيان من مواطن قصور عدة. فالعلاقة مع الزمن لم يكن متحكما فيها بالقدر الكافي، بسبب إعطاء الأولوية للاعتبارات الظرفية، ذات المدى القصير. ونظرا للمراعاة المفرطة للثوابت البنيوية، التي يتعين الالتزام بها، وتفاديا للأخطارالتي يمكن أن تطرأ على المدى البعيد. وفضلا عن ذلك، فإن بعض مخططات ومشاريع التنمية اتسمت، في بعض الأحيان، بطموحها المفرط وطابعها التجزيئي أو بعدم مراعاة الشروط الكفيلة بجعلها قابلة للتطبيق، ومندرجة في مدى زمني عميق.

•منظومة اتخاذ القرار : يلاحظ أن هذه المنظومة طالما عانت من الارتجال والتسرع، أو على العكس من ذلك البطء والافتقار إلى التصرف في الوقت المناسب، وضعف القدرة على التوقع والاستباق. كما أن اتخاذ القرار لم يكن دائما مبنيا على دراسة استكشافية وتحكم معقلن ودقيق في الرهانات المطروحة. وليس هناك سوى عدد محدود من القرارات التي اتخذت، في ضوء نقاش منفتح على تعدد وجهات النظر ومؤسس على دراسات ذات بدائل ناجعة، سواء على المستوى الكمي أو الكيفي، أو باعتبار مقاربتها أو وقعها.

•ثقافة التقويم : هذه الثقافة لم تكن راسخة في تفكير وممارسة العديد من تنظيمات ومؤسسات بلادنا. ويمكن القول، بصفة خاصة، أن السياسات العمومية المنوطة بالمشرفين على تسيير الشأن العام وبالمنتخبين، لم تكن تخضع للتقويم، ومن ثم، للاستدراك والتصحيح، لتجنب آثارها السلبية المحتملة على العيش الكريم للساكنة.

-وحتى في حالات القيام بافتحاصات وتقويمات، فإن نتائجها نادرا ما تنشر للعموم، وقلما يتم إطلاع المواطنين المعنيين عليها. وهذا ما حد من مصداقية ونجاعة عدد مهم من المؤسسات والمشاريع.

•المحاسبة : إن المحاسبة أو تقديم الحسابات، وكذا تطبيق العقوبات الإدارية أو السياسية أو القضائية أو الانتخابية، المترتبة عن نتائج تلك الحسابات، لم تتحول بعد عملة متداولة في بلادنا. وفي المقابل فإن الإحساس بالإفلات من العقاب شجع على التلاعب بالمال العمومي، ودفع إلى تكرار الأخطاء أو التهاون، علاوة على منح مكافأة غير مستحقة للعديد من الأشخاص المفتقرين للكفاءة.

-ومنذ الاستقلال، يلاحظ أن المواطنين لا يرتبطون في علاقاتهم المهنية على أساس نوع من التعاقد مع الإدارة : فإذا كانت عليهم واجبات كمواطنين، فلهم أيضا حقوق، ومن بينها الحق في المطالبة بمحاسبة المسؤولين على تدبير الشؤون العمومية.

-هذه التباعدات والفروق تتجسد عبر اختلالات كبرى، ولاسيما في مجالات : القضاء واللامركزية والعلاقات بين الإدارة والمواطنين. أما الرشوة فإنها تمثل تجليا آخر لسوء الحكامة، بما أنها تهدد مصداقية المحاسبة (من خلال التلاعب بالقواعد المنظمة) والإدماج (بتجاهل حق المواطنين في المعاملة المنصفة). وتبرز خطورة الرشوة أكثر في التعامل معها وكأنها سلوك عادي، مما قد يضعف من علاقات الثقة بين المواطنين والإدارة، ويشوش على مناخ الأعمال.

ونظرا للتدخل غير الصائب لحل الإشكاليات المرتبطة ببؤر المستقبل فإن البلاد تواصل تحمل آثار الطابع المعقد لاستمراريتها. وبذلك، فإن تحويل هذه البؤر إلى رافعات حقيقية للتنمية سيمكن، في مقابل ذلك، من فتح آفاق جديدة.

-وفي نفس الاتجاه، يتعين على المغرب أن يأخذ بعين الاعتبار الإشكاليات المرتبطة بتطور محيطه الجهوي والدولي. وهكذا فسبب التزاماته الدولية، وتحالفاته الاستراتيجية، وضعف توافره، على الموارد الطبيعية ومحدودية اندماجه في تيارات التبادلات العالمية ؛ سيجد مغرب 2025 نفسه، بالضرورة في وضع متأثر بمحيطه الدولي وبالتغيرات المناخية ؛ محيط سيظل مهيكلا بالقوة الأمريكية، لكنه سيشهد صعود قوى جديدة كالصين والهند والبرازيل. كما أن تطور المشروع السياسي الأوربي سيواصل ممارسة تأثيره القوي على محيطنا الجهوي. ومن جهتها، فإذا كانت العولمة ستظل تفيد، بإسقاطاتها الإيجابية، الاقتصاد العالمي (تحرير التدفقات التجارية والمالية)، فإنها ستسبب في بروز تحديات سوف تطرح بجدية : تدهور المحيط البيئي، استنزاف بعض موارد الطاقة، مشاكل الهجرة. أما المجتمعات فإنها ستشهد تغيرات مهمة، ومنها، على الخصوص : الشيخوخة الديموغرافية، سيطرة تكنولوجيا المعلوميات، وتأكيد دور المجتمع المدني. وإلى جانب ذلك، فإن التقلبات المناخية يمكن أن تضاعف من حدة اللاتوازنات الماكرو-اقتصادية، مع ما سينجم عنها من انعكاسات كبرى على الإنسان.

-ومن ناحية أخرى، فقد تحول المغرب بدوره، في السنوات الأخيرة، كبلد هجرة، سواء أكانت قانونية أو سرية، إلى بلد للاستقبال أو العبور لصالح هجرة قوية شبه صحراوية. وهذه المظاهرة تكاد يصبح بالغة التأثير بالنظر إلى الاضطرابات التي تسببها. ولذلك، يتعين على المغرب الذي يوجد، نتيجة هذه الظاهرة، في وضعية ضغط مزدوج، أن يبحث، مع جيرانه الأوروبيين، ولاسيما إسبانيا، عن حلول بنيوية لهذا المشكل، فضلا عن ضرورة معالجته بطريقة إنسانية.

-وعلى مستوى آخر، فالدور المتنامي لوسائل الإعلام، والمقتضيات الكونية لشفافية الديمقراطية واحترام الحريات، كلها رهانات تتجه نحو اختراق الحدود، وفرض معايير مشتركة بين الجميع. وهي رهانات ستكون لها انعكاسات عالمية وتأثير مباشر على بلادنا.












عرض البوم صور hamza_fes   رد مع اقتباس