- المشروع
1- السياق والغايات
"...علينا أن نجعل من هذه الذكرى الذهبية للاستقلال، وقفة تاريخية لتقييم الأشواط التي قطعتها بلادنا على درب التنمية البشرية، خلال نصف قرن، بنجاحاتها وصعوباتها وطموحاتها، مستخلصين العبر من اختيارات هذه المرحلة التاريخية، والمنعطفات الكبرى، التي ميزتها، مستهدفين من ذلك ترسيخ توجهاتنا المستقبلية، على المدى البعيد بكل ثقة ووضوح، مبرزين بكل تجرد وإنصاف، الجهود الجبارة، التي بذلت لوضع المغرب على سكة بناء الدولة الحديثة. وتلكم خير وفاء للذكرى الخالدة لصانعي استقلال الوطن".
بهذه العبارات أعطى جلالة الملك محمد السادس، في خطابه بمناسبة ذكرى 20 غشت 2003، الانطلاقة لمشروع جماعي وتشاركي للدراسة والتأمل والنقاش، يهم إنجاز تقويم استرجاعي لمسار التنمية البشرية بالمغرب، منذ الاستقلال، واستشراف آفاقها، على مدى العشرين سنة القادمة. ولقد تمت بلورة هذا المشروع في صيغة تقرير يحمل عنوان "50 سنة من التنمية البشرية بالمغرب وآفاق سنة 2025".
وتتمثل الغاية الأولى من هذا المشروع في تغذية النقاش العمومي وفتحه على أوسع نطاق، حول السياسات العمومية التي يتعين تفعيلها في المستقبل القريب والبعيد، وذلك في ضوء الدروس المستخلصة من إخفاقات الماضي ونجاحاته.
ترتكز دوافع هذه الدعوة للنقاش على القناعات الثلاثة التالية :
•إن مصير بلادنا يوجد بين أيدينا، فبلادنا في مفترق الطرق، وتتوافر اليوم على وسائل انخراطها الحازم في طريق طموح وطني كبير، يتقاسمه الجميع ويتمفصل حول التنمية البشرية. وللقيام بذلك يتعين المجموعة الوطنية اعتماد اختيارات منسجمة وتسريع الوتيرة وتعميق أوراش الإصلاح، وتحقيق القطيعة التامة مع الممارسات والسلوكات التي ظلت تعيق التنمية في بلادنا ؛
•إن فضائل النقاش العمومي، لا تقدر بثمن، ولا شيء يمكن أن يعوض، في مجال تدبير الحياة السياسية جدال وتلاقح الأفكار والمفاهيم والتحاليل، طالما كان الهدف هو خدمة المشروع الوطني المتقاسم بين الجميع ؛
•إن الممارسة الديمقراطية الموطدة، هي وحدها التي يمكن أن توجه بلادنا نحو السير الثابت على طريق النجاح. فممارستها بمثابرة، مدعمة بتحمل كل واحد منا لمسؤولياته، مع تحلي الجميع باليقظة، يجعل منها لا مجرد ترف فكري أو حلما يستحيل تحقيقه.
يتسم هذا التقرير بكونه يتأسس على مبادئ المشاركة والتبني الوطني والاستقلالية العلمية والتحريرية، حيث انخرط في إعداده ما يفوق مائة من الكفاءات الجامعية والإدارية وفعاليات المجتمع المدني.
إن المفهوم المحوري لهذا المشروع، يتمثل في "التنمية البشرية". وهو يوفر فرصة متميزة للإحاطة بمجموعة كبيرة من الموضوعات والأسئلة، المترابطة، في الغالب، مع بعضها البعض، مما يجعل من الصعب تناولها بمقاربات أحادية التخصص. وبذلك، فإن توظيف هذا المفهوم، حديث الاستعمال نسبيا، والذي ما يزال في طور التعميق، قد أثرى، بالتأكيد، الأشغال المنجزة، في إطار التقرير.
أنجزت أشغال التقرير في خضم مرحلة يشهد خلالها المغرب إطلاق أوراش مهمة للإصلاح، كما تجتاز فيها بلادنا فترة تاريخية، تميزها العديد من السيرورات الانتقالية: ديمقراطية وسياسية وديموغرافية ومجتمعية واقتصادية وثقافية. إنها مرحلة التساؤلات العميقة القادرة على بلورة المشاريع الكبرى، وعلى تجديد المشروع الوطني وتسريع وتيرة التنمية البشرية ببلادنا.
وفي هذا الصدد، فإن التقرير ظل يستحضر الأبعاد المحددة للتنمية البشرية التي تعتبر بدورها محددة ليس فقط بالرهانات والاختيارات السياسية ولكن أيضا بالسياقات المختلفة والظرفيات الداخلية والخارجية التي تشرط هذه الاختيارات. وهكذا فإن محاولة القيام بقراءة لماضينا وتاريخنا في ضوء المرجعية القانونية والإثنية والمفاهيمية، المتداولة اليوم، دون مراعاة الطابع النسبي للسياسات العمومية، بالنظر إلى مختلف سياقاتها وتياراتها التنموية المعتمدة، حين بلورتها ؛ إن عدم الأخذ في الاعتبار كل ذلك كان من الممكن أن ينزلق بالتقرير في اتجاه عدم الإنصاف والوفاء بالأمانة إزاء الفاعلين في تلك الحقبة.
يقترح تقرير "50 سنة من التنمية البشرية بالمغرب وآفاق سنة 2025" قاعدة معرفية مدعمة بالدلائل والحجج، لتغذية النقاش، مع استخلاص العبر والدروس من التجربة الماضية للبلاد، ومقترحا بعض مسالك التفكير لاستشراف العقدين المقبلين. ولذلك فهو يتوخى مساهمة وطنية، تحركها الروح الوطنية ومراعاة شروط الموضوعية.
وتتمثل رسالته الرئيسية في التأكيد على أنه بفضل هذه النظرة التأملية في نصف قرن الماضي، سيكون بإمكان المغرب، المتصالح مع نفسه ومع ماضيه، والقوي بنجاحاته المحرزة، والمستفيد من العبر المستخلصة من إخفاقاته، والمعتمد على نسائه ورجاله وشبابه وقدمائه ؛ أن يسلك، بكل ثقة وطمأنينة، السبيل الواعد لتنمية بشرية أفضل.
2- سيرورة المشروع وإنتاجاته
انطلقت سيرورة إعداد هذا التقرير، منذ شهر دجنبر 2003، بإحداث لجنة مديرية وأخرى علمية. وقد كلفت اللجنة المديرية بالإشراف العام على المشروع، أما اللجنة العلمية فقد أنيطت بها الجوانب العلمية والمنهجية.
ولإنجاز هذا المشروع، تم اعتماد دفتر عام للتحملات من قبل اللجنة المديرية، في شهر أبريل 2004، قصد تنظيم أشغاله والتخطيط لإنجازه. وفي هذا الإطار، تشكلت عشر فرق للعمل، عكفت على معالجة الموضوعات التالية :
*الديمغرافيا والساكنة ؛
*المجتمع والأسرة والنساء والشباب ؛
*النمو الاقتصادي والتنمية البشرية ؛
*المنظومة التربوية، المعرفة، التكنولوجيا والابتكار ؛
*منظومة الصحة ونوعية الحياة ؛
*ولوج الخدمات الأساسية والاعتبارات المجالية ؛
*الفقر وعوامل الإقصاء الاجتماعي ؛
*الإطار الطبيعي، البيئة والمجالات الترابية ؛
*الأبعاد الثقافية والفنية والروحية ؛
*الحكامة والتنمية التشاركية.
وعلاوة على ذلك، تم تأليف ثلاث فرق أفقية، اشتغلت على الجوانب الآتية :
*مجمل تركيبي للتطور التاريخي للمغرب المستقل ؛
*دراسة استشرافية للمغرب، في أفق سنة 2025، وكذا دراسة المقارنة للمغرب بعينة تتكون من 14 بلدا خلال المرحلة الممتدة بين 1955 و 2004 ؛
*بحث حول قيم المغاربة.
ولقد استعانت هذه الفرق، التي قام بتنشيطها أعضاء من اللجنة العلمية، بشبكة تضم باحثين وخبراء، أنجزوا دراسات متخصصة، في العديد من محاور الموضوعات المدرجة في المشروع. كما تم تنظيم اجتماعات ونقاشات ولقاءات للتفكير الجماعي، على امتداد مراحل إنجاز المشروع. واتسمت النقاشات المتبادلة بحرية التعبير وبإرادة خدمة الوطن، مما جعل منها إسهاما أساسيا في البحث عن الموضوعية والسعي لبلوغ الجودة المتوخاة.
وتتألف محصلات المشروع من سلسلة من الوثائق، تتجسد في ثلاث دوائر تؤسس كل واحدة منها الأخرى. وهي كما يلي :
▪75 إسهاما فرديا كل واحد منها موقع من طرف معده. وقد تم تجميعها في 8 مصنفات موضوعاتية ؛
▪16 تقريرا موضوعاتيا وأفقيا، معدة من قبل 13 فريق عمل، تعود إليها المسؤولية في مضمون تلك التقارير ؛
▪التقرير العام، الذي يقوم بتركيب النتائج الكبرى للدراسات الموضوعاتية والأفقية، دون أن يكون مجرد تجميع لها. ويوطد هذا التقرير العبر المستخلصة من التقويم الاسترجاعي، كما يحاول أن يرسم صورة استشرافية لآفاق سنة 2025. على أن اللجنة المديرية للمشروع تتحمل المسؤولية المتعلقة بخطه التحريري. وفضلا عن ذلك، تم إرفاق التقرير العام بملحق في شكل أطلس مبياني، يبرز تطور ما يفوق مائة مؤشر مفتاحي، على مدى الخمسين سنة الفارطة.
وقد تم إعداد هذه الوثيقة، التي لا تقدم كل محاور ومحتويات التقرير العام ولا تعوض الغنى المميز للتقارير الموضوعاتية والمساهمات الفردية، من أجل تقديم مجمل تركيبي لما هو أساسي في التقرير.
ولأن هذه الوثيقة موجهة لعموم الرأي العام، فقد روعي في إعدادها أسلوب ومنهجية يجعلانها في متناول الجميع.
Ii - تقديم تركيبي للتقرير العام
يتمحور التقرير العام حول مفهوم "الإمكان البشري"، الذي يعد، في الوقت ذاته، محرك التنمية البشرية وغايتها. وفي ضوء ذلك، تم تقويم ما حققته بلادنا، دولة ومجتمعا، من تقدم وما اعتراها من نواقص، وذلك من خلال خمسة محاور استرجاعية لمسار المغرب. وهي :
•تطور الإمكان البشري للمغرب كشعب : الديموغرافيا والساكنة، المجتمع والتراث الجماعي، المكون الطبيعي والثقافي ؛
• تحرير الإمكان البشري للبلاد كدولة، : المسار المؤسساتي، البناء الديمقراطي والحكامة ؛
•تثمين الإمكان البشري، باعتباره حياة وتجليات : الصحة، التربية، ولوج الخدمات الأساسية، الحماية الاجتماعية ومحاربة الفقر ؛
•تعبئة الإمكان البشري، من حيث هو قوة عمل وإنتاج للثروات : الاقتصاد والشغل ؛
•الإمكان المادي والطبيعي، بوصفه إطارا وموردا للتنمية البشرية : تدبير الموروث الطبيعي والمادي، المجالات الترابية والبنيات التحتية.
وبعد دراسة التطورات ومكامن العجز والمكتسبات، في مختلف الميادين، يقترح التقرير وصفا مجملا لحالة المغرب خلال سنة 2005، مثيرا، في سياق ذلك، التساؤلات الكبرى المطروحة عليه، ويقف على اتجاهات الوازنة لتطوره الحالي، والتي سيكون لها تأثير على مستقبل البلاد، كما يحدد " بؤر المستقبل" التي تحمل العديد من الإشكاليات الكبرى التي تستدعي انعطافات حاسمة من أجل تشييد مغرب أفضل.
وبعد ذلك، يعرض التقرير رؤيتين متقابلتين لبلادنا، في أفق سنة 2025، بحسب مدى قدرتنا على إنجاح الانتقالات الحالية، والانخراط الموفق في الإصلاحات الجديدة، التي ما أحوجنا إليها.
وفي الأخير، يقدم التقرير بعض المسالك الاستراتيجية ومحاور التجاوز الممكنة، في صيغة مجموعة من الاقتراحات التي تشكل قاعدة مساعدة على بلورة أجندة 2025، التي يتعين أن تكون ثمرة نقاش واسع بين كل الفاعلين السياسيين والاقتصاديين ببلادناس.
بيد أن التقرير تعمد تجنب الغوص في خطاب برنامجي واستشرافي محكم، وذلك من منطلق الوعي بأنه يعود للفاعلين السياسيين بلورة هذه البرامج والدفاع المشروع عنها.
1. تطور الإمكان البشري بالمغرب
الساكنة، التحولات الاجتماعية والدينامية الثقافية
بالرغم من تاريخ مؤلم في بعض الأحيان، ومتسم بفترات انطواء وركود، ظل الشعب المغربي وما يزال متشبثا بجذوره، منفتحا، بصفة عامة، على محيطه، ومستشعرا لنداء المستقبل. وهكذا، فقد اتسمت ساكنة البلاد، في الوقت نفسه، بتنوع كبير، وبقدرة فائقة على الاندماج والتلاحم. لقد تمكنت روافده المتعددة ولاسيما منها، الأمازيغ والعرب واليهود والأندلسيون والأفارقة من التعايش ومن تنمية وعي بالانتماء الجماعي. كما أن مختلف هذه المكونات عرفت كيف تبدع وسائل لتجاوز التوترات، من أجل أن تعيش جنبا إلى جنب، ولتتساكن مع الاختلاف الإثني واللغوي والديني، ولتصنع تاريخا مشتركا، هو تاريخ المغرب.
ولم يعمل المسلسل الطويل، الهادف إلى طي ملف الوحدة الترابية إلا على إعطاء دفعة قوية للإحساس الوطني. وإذا كان المغرب، وما يزال، يبذل جهودا قصوى واستثنائية، بعد مضي خمسين سنة من نيله للاستقلال، فإنه يظل ملتئما بالإجماع حول الملكية، بوصفها الضامنة لسيادته ولوحدته الترابية المنسجمة والمعبأة والثابتة.
ينبع غنى الإمكان البشري للبلاد، بالأساس، من وحدته المتراصة داخل تنوعه الكبير. وقد تجلت هذه الوحدة، بوضوح، من خلال الحماس الكبير للحركة الوطنية بزعامة جلالة الملك محمد الخامس ؛ ذلك الحماس الذي عبأ جميع مكونات الشعب المغربي، ومكنها من التغلب على كل محاولات التفرقة.
ولم تتمكن الاجتياحات السابقة ولا الفترة الاستعمارية، التي لم تدم إلا خمسين سنة، مفضية إلى إلى خلخلة البنيات الاجتماعية، لا من الإضرار باستمرارية المغرب كدولة وأمة، ولا من التأثير على وحدة شعبه، اللتين تمت المحافظة عليهما عبر القرون، بالرغم من التغيرات التي طرأت على حدوده. ولقد فرض العمق التاريخي للدولة على المستعمر أن يتلاءم مع هذه المعطيات، لإنتاج شكل للحماية يراعي، نسبيا، خاصية المجتمع والشعب المغربين.
ومنذ الاستقلال، عرف الشعب المغربي كيف يجمع بين التشبث بهويته المتعددة والتصميم، على الانخراط في الحداثة، وعلى احتلال مكانته داخل العالم المعاصر، مع استمراره تحت ظل المؤسسة الملكية، في إغناء وتطوير شخصيته، بخصائص ثقافية أصيلة، وفي ممارسة تقاليده الاجتماعية الخاصة، كما يشهد على ذلك غنى وحيوية تراثه الروحي والثقافي.
إن تعابير هذا التراث، الناجمة عن إرث متجذر في تاريخ يمتد عبر آلاف السنين، هي متعددة المعالم سواء تعلق الأمر بالآثار الأنثروبولوجية، أو بالإنجازات المعمارية، أو بالصناعة التقليدية، أو بفنون الطبخ واللباس، أو بالأساليب الأدبية، المكتوبة منها أو الشفوية أو الخطية، أو الموسيقى والتعابير الجسدية أو المنتوجات الفنية بجميع أشكالها. فقد استطاع المجتمع المغربي، على مدى خمسين سنة، أن يحتفظ بأجزاء كاملة من هذا التراث، مع إخضاعه لدينامية تجديدية، من الناحية الفنية والثقافية. وهكذا، فسواء تعلق الأمر بالأشكال التعبيرية التقليدية أو بالأجناس الحديثة ) مسرح، سينما، فنون تشكيلية وموسيقى( ؛ فإن المغرب شهد ظهور العديد من المواهب اللامعة داخل البلاد وخارجها.
ومع ذلك، لا بد من الإشارة، في هذا الصدد، إلى أن التراث الأنثروبولوجي والمعماري ما يزال عرضة لشوائب الزمن وللأضرار البشرية، بالرغم من إدراج العديد من المواقع والمعالم ضمن لائحة التراث الثقافي العالمي. وينطبق نفس الشيء أيضا على العديد من أنواع المهارات والمعارف الحدسية المحلية، التي ما تزال مهمشة ومهددة بالاندثار.
2.1. التحولات الديموغرافية والاجتماعية
عرف المغرب على مدى الأربعين سنة التي تلت استقلاله، نموا ديموغرافيا مرتفعا، يميل حاليا نحو الاستقرار. مما جعله أمام تحدي احتواء هذا النمو، على المدى البعيد، وذلك بوضع برامج للتنمية الاقتصادية والخدمات الأساسية، ولاسيما منها التربوية والاجتماعية، الكفيلة بأن تكون في مستوى الحاجيات المتزايدة للساكنة، من أجل تحسين مستوى عيشها، أو على الأقل للحيلولة دون تدهورها.
وبسبب التطور الذي طرأ على الحياة الأسرية والسلوكات الإنجابية لدى النساء المغربيات، وبفضل ارتفاع مستوى التعليم والتحولات المجتمعية وبرامج التخطيط العائلي، التي انخرطت فيها شرائح كبيرة من الساكنة النسوية، تمكنت البلاد من التحكم في نمو ساكنتها. ومن ثم، توجد بلادنا اليوم في وضعية انتقال ديموغرافي، يتجسد في تباطؤ وتيرة تزايد عدد السكان، بفعل الانخفاض المستمر لنسب الوفيات وتراجع معدل الإنجاب. وهكذا انتقل معدل الحياة من 47 سنة في 1962 إلى 71 سنة في 2004، نتيجة انخفاض نسبة وفيات الأطفال وتحسين التأطير الطبي، وتحسن شروط التزود بالماء الشروب، وتعميم برامج التلقيح.
أما بالنسبة للإنجاب، فقد تراجع من 7 أطفال للمرأة الواحدة سنة 1962 إلى 2،5 سنة 2004. ويرجع ذلك، أساسا، إلى التقدم الحاصل في تمدرس الفتيات وتوسع التمدين، الذي سبب في تأخر الزواج، وكذا إلى سياسات التخطيط العائلي.
يشكل التغيير الحاصل في بنية أعمار الساكنة إحدى التعبيرات العميقة والحاسمة عن الانتقال الديموغرافي. ففي الأعوام القادمة، سيتزايد عدد الأشخاص البالغين سن العمل سنويا، باطراد، كما سيصبح عدد السكان النشيطين، ولعشر سنين أخرى، أكبر من أعداد الساكنة غير النشيطة، مما سيطرح تحديات جدية أمام منظومتنا التربوية ومقاولاتنا وقدرتنا على خلق وصيانة بيئة أكثر ملاءمة لخلق مناصب كافية للشغل.
وفي أصل التحولات الكبرى التي شهدها المغرب، توجد أيضا، ظاهرة التمدين التي ارتفعت نسبتها من 29 % سنة 1960 إلى 55 % سنة 2004. وإذا كان هذا التحول قد طرأ لصالح المدن، التي يفوق عدد سكانها 100.000 نسمة، فإن اتجاه التطور الذي حصل خلال العشرين سنة الأخيرة كان مطبوعا بإعادة الانتشار، لحساب المدن المتوسطة والصغرى، سواء فيما يخص التوزيع الجغرافي أو ما يتعلق بوتيرة النمو. وتظل هذه الظاهرة متسمة بتفاوتات واضحة أهمها : التمركز في بعض المدن الكبرى، والطابع الساحلي، الذي يتجسد في هيمنة الساحل الأطلسي، وبخاصة في المحور الممتد بين القنيطرة والجديدة، وعدم التناسق، الذي يتجلى في وجود مناطق حضرية، إلى جانب مناطق ظلت قروية، إلى حد كبير، وكذا من خلال انتشار السكن الغير اللائق، والخصاص الملاحظ، في المرافق الجماعية، مما أفضى إلى ترييف بعض المجالات الحضرية.
ومع توسع التمدين، وتكريس التعاملات النقدية، وتعميم اقتصاد السوق، والتقدم النسبي في مجالي الصحة والتربية، وولوج وسائل الإعلام العصرية، والتفتح على الأفكار والنماذج المتداولة في أنحاء العالم، اتجه المجتمع المغربي إلى اعتماد وتطوير طرق جديدة للحياة والعمل، والاستهلاك والسلوك. وهكذا، انتقلت الأسرة تدريجيا، من بنية ممتدة وأبوية إلى بنية نووية، وفي بعض الأحيان إلى بنية عائلية، ذات رب أسرة واحد. كما أن النساء قطعن أشواطا مهمة في تحقيق حريتهن، وبدأن يشتغلن خارج البيت ويقمن بتنمية مشاركتهن في الحياة العامة.
وتأكدت ظاهرة الحركية السوسيو-جغرافية، وتراجع التضامن التقليدي، بالرغم من كون عدد كبير من المغاربة ظلوا متمسكين بالقيم الأسرية، عن اقتناع أو لضرورة سوسيو-اقتصادية. وفي السياق نفسه، ظهرت قنوات جديدة للتعبير، وبرز فاعلون جدد في هذا المجتمع المتحول، من بينهم، على الخصوص، حركة جمعوية، أضحى نشاطها يتزايد باطراد، خلال العشرين سنة الأخيرة.
وعلى مستوى آخر، فقد هم التحول، في الآن ذاته، التراتبات وأشكال الحركية الاجتماعية، حيث أدت إلى تبلور طبقات وسطى. هذه الأشكال الجديدة للتباين وللتراتبية الاجتماعية، التي عرف تشكلها في عهد الحماية، ستشهد بعض التجدد، من خلال الأنماط الجديدة للنشاط الاقتصادي والاجتماعي، غير أن هذه السيرورة لم تمكن بلادنا من التوفر فعليا على طبقة وسطى منسجمة، ذات وعي مشترك بالانتماء، وقادرة على أن تلعب دورا محركا في الدينامية الاجتماعية.
أما العالم القروي، فإنه ظل معزولا، بشكل ملحوظ، عن مجموع هذه الديناميات سواء تعلق الأمر بمستوى التنمية الاقتصادية أو بمستوى التنمية البشرية أو بالنظر إلى التحولات الاجتماعية. وبذلك فإن الفوارق بين المدن والقرى تبدو صارخة، وتستدعي أجوبة اقتصادية واجتماعية.
كل هذه التحولات، التي تم الحديث عنها، واكبتها تحولات عميقة أخرى، على مستوى مرجعيات القيم. وتحدث هذه التغيرات، أساسا، عبر ترسبات معقدة، لا من خلال قطيعات واستبدالات. وهكذا، فالبلاد تعرف انتقالا تتعايش ضمنه مرجعية تقليدية إلى جانب قيم ناشئة ؛ ذلك أن العديد من المغاربة يعيشون ازدواجية أو التباسا، حيث يغيرون القيم والمواقف والسلوكات "المحافظة" جدا، أو على العكس من ذلك "الأكثر حداثية"، حسب السياقات والمواقع والمصالح. وهناك من يرى في هذه الظاهرة مهارة وقدرة على التكيف، تسير في اتجاه متلائم مع الحفاظ على الهوية والانخراط الإرادي في الحداثة. في حين يرى آخرون في هذه الظاهرة نوعا من الرجعية، أو على الأقل ترددا في الانخراط بجرأة في التيار الراهن للقيم الكونية. ومن ثم، فمن المرجح أن المجتمع المغربي يشهد هذين النموذجين من التفكير والسلوك، وأن تشكله المستقبلي رهين بقدرته على التخلي عن الماضوية المفرطة في المحافظة، وعلى تحديث ذاته في العمق، دون التضحية بالسمات المميزة لإرثه وهويته.
3.1. المرأة والشباب والجالية المهاجرة
إن هذا الوصف العام للإمكان البشري بالمغرب لن يكتمل إلا إذا تم الأخذ بعين الاعتبار، وعلى نحو خاص، ثلاثة مكونات كبرى :
-الجالية المغربية المهاجرة إلى الخارج : إذا كانت الهجرة المغربية نحو أوروبا قد تمت بشكل متأخر، بالمقارنة مع بلدان الجنوب الأخرى، فإن عدد المغاربة المقيمين بالخارج (m.r.e.) لم يفتأ يتزايد، خلال نصف القرن الماضي. وبذلك أضحت هذه الجالية تشكل اليوم إحدى أهم الجاليات الأجنبية في بعض بلدان الاستقبال، كما تمثل إمكانا مهما لبلدها الأصلي. وفي هذا الصدد، فقد عرف "مغاربة العالم" نهضة ملحوظة منذ منتصف التسعينيات، تنحو نفس منحى آليات اشتغال كبرى شبكات الجاليات عبر العالم. وفضلا عن تدفق التحويلات بالعملة الصعبة، يمكن للمغرب أن يستفيد من كل مكونات جاليته، على مستوى الإشعاع الخارجي، وتكوين لوبيات اقتصادية ومالية، ونقل العلوم والتكنولوجيا والإغناء الثقافي ؛
-المرأة المغربية : لعبت المرأة دورا مهما في تطور الإمكان البشري ؛ فبعد الفترة التي كانت فيها مهملة تماما في عملية التنمية البشرية للمغرب المستقل، استطاعت بفضل كفاح طويل قطع أشواط مهمة لا ينكرها أحد اليوم ولا أدل على ذلك من إصلاح مدونة الأسرة وقانون الجنسية. وقد جاءت هذه المبادرات المتقدمة لتتوج النشاط الدؤوب لحيوية الحركة النسائية ونضالها وتشبثها بحقوقها. ولقد كانت هذه الحركة في نفس الوقت نتيجة طبيعية لانفتاح السياسي والديمقراطي كما لعبت دورا مؤثرا في هذا المسار ؛ وبالفعل فلقد قامت الحركة النسوية بدور طلائعي في مجال توسيع دائرة المشاركة المواطنة في النضج السياسي، وفي تثبيت هوية المجتمع المدني. كما أنها أسهمت في النقاش الديمقراطي حول القضايا التي تهم فعليا وضع المرأة لكنه تجاوز، في العديد من المناحي، هذا النطاق ليتحول إلى نقاش أوسع حول الحقوق والحريات وتكافئ الفرص.
-الشباب : من غريب المفارقات أنه بالرغم من كون الشباب يمثل النسبة الأكبر من السكان، فإن سياسات المغرب المستقل، باستثناء بعض الجهود المتميزة على الصعيد القطاعي، لم تدمج أبدا، وعلى الوجه الأمثل، الشبيبة ضمن المعادلة الشاملة للتنمية. فمحدودية الآفاق، والصعوبات التي تعترض تحقيق الذات، والتكوين المحدود والبطالة، ومختلف أشكال العوز والحاجة ؛ كلها معطيات تدفع إلى تنام الشعور بالإحباط واليأس. ولعل الظواهر المعبرة عن الشكل المأساوي، في بعض الأحيان، الذي تتخذه الهجرة السرية، ومحنة العاطلين من بين حملة الشهادات ؛ كلها تشهد على الاختلالات الكبيرة في استثمار الموارد البشرية الوطنية. وهكذا، فإن هذا الرصيد الثمين يظل مهددا بعاملين سلبيين : الهجرة متسارعة الوتيرة للكافاءات، وتلك المجموعة من الشباب الذين تقودهم ظروفهم إلى المخاطرة بحياتهم من أجل البحث عن سراب غد أفضل في شمال المضيق.
ملخص تركيبي للتقرير العام حول التنمية البشرية بالمغرب بمناسبة الذكرى الخمسينية لاستقلال المملكة المغربية.
تحت شعار : " المـــــــســـــتقبل يشــــيد و الافـــــــضل مـــــــــــــــــمكن "